أهلا, . الرجاء الدخول أو التسجيل
16/03/2010, 23:33:18
831,316 رسائل في 73,330 مواضيع بواسطة 13,371 أعضاء
آخر عضو: habhob
الوقت الحالي : 16/03/2010, 23:33:18
زمن الاتصال0 دقيقة.
لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
اذاعة منتدى الملحدين العرب ...
*
شبكة الملحدين العرب  |  نقد الايمان والاديان  |  الدين المسيحي والأديان الأخرى (مشرف: أكروپوليس)  |  موضوع: زرادشت (بحث قيم ) عن سيرته وشريعته وعقائده « قبل بعد »
صفحات: [1] للأسفل طباعة
التقييم الحالي: *****
الكاتب موضوع: زرادشت (بحث قيم ) عن سيرته وشريعته وعقائده  (شوهد 3470 مرات)
المستشار
عضو ذهبي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 575



الجوائز

asdy.304.el7ad.org

304.304.el7ad.org

« في: 17/11/2006, 15:41:35 »

_  زرادشت _
 

يُعتبَر زرادشت واحداً من أهم الشخصيات الدينية التي أثَّرت على مجرى الحياة الروحية عبر تاريخ الحضارة. ولا تكمن أهمية هذا النبي والمعلِّم الأخلاقي الكبير في مدى الانتشار الجغرافي والزماني للديانة الزرادشتية التي قامت على وحيه وتعاليمه بقدر ما تكمن في مدى تأثير أفكاره على الديانات العالمية اللاحقة المسماة بالسماوية . ذاع صيت زرادشت في العالم القديم. فاعتبره الإغريق سيداً للحكمة وللمعارف السرَّانية؛ وعزا إليه الفيثاغوريون تأثيراً مباشراً على معلِّمهم فيثاغوراس؛ ونظر إليه فلاسفة الأكاديميا بإكبار وإجلال باعتباره مؤسِّساً لفلسفة الثنوية

الولادة

ولد زرادشت في القرن السادس قبل الميلاد في قرية بالقرب من بحيرة ارومية وكان ابوه بورشب احد امراء الميديين ومسيرة حياته لا تختلف كثيرا عن حياة الانبياء والمصلحين امثال بوذا وكونفوشيوس ومحمد من حيث الاعتكاف في الكهوف والمغارات من اجل التأمل والتفكير العميق اضافة الى موقعه القبائلي  وانحداره من احدى الاصول العريقة في قومه.

وتقول الأساطير: "إن والد زرادشت كان يرعى ماشيته في الحقل، فترآى له شبحان، وأعطياه غصنًا من نبات، ليمزجه باللبن ويشربه هو وزوجته دغدويه، ففعل وشرب ما طلبه منه الشبحان، فحملت زوجته، وبعد خمسة شهور من حملها رأت في منامها أن كائنات مخيفة هبطت من سحابة سوداء، فانتزعت الطفل من رحمها وأرادت القضاء عليه، إلا أن شعاعًا من نور هبط من السماء مزق هذه السحابة المظلمة وأنقذ الجنين، وسمعت صوتًا من هذا النور يقول لها: "هذا الطفل عندما يكبر سيصبح نبي أهورامزدا".
وتعددت الأساطير حول ميلاد زرادشت، ومنها أنه لما ولد قهقه بصوت عالٍ اهتزت له أركان البيت، وأن كبير سحرة إيران "دوران سورن" رأى أن طفلا سيولد، ويقضي على السحر وعبادة الأصنام، ويطرد الكهنة من جميع البلاد، وتستطرد الحكايات أن هذا الكاهن قد حاول قتله وهو في المهد مرات ومرات، وكان الفشل هو النتيجة دائمًا.
وأحب الوليد الحكمة والصلاح فاعتزل الناس وآثر أن يعيش في برية جبلية، وأن يكون طعامه الجبن وثمار الأرض. وأراد الشيطان أن يغويه ولكنه أخفق.

اعتكافه  في جبل  سابلان  وبداية الرسالة
استأذن زرادشت زوجته  في أن يعيش بعيدًا عنها ناسكًا لفترة يفكر في الشر والخير، وانطلق إلى جبل "سابلان"، وعزم ألا يعود لبيته حتى يكتسب الحكمة، وظل هناك وحيدًا يفكر لشهور لعله يجد تفسيرًا للخير والشر، غير أنه لم يهتدِ لشيء، وذات يوم تأمل في غروب الشمس وحلول الظلام بعد النور، وحاول أن يكتشف الحكمة من ذلك، ورأى أن اليوم يتكون من ليل ونهار، نور وظلام، والعالم أيضا يتكون من خير وشر؛ لذلك فالخير لا يمكن أن يصبح شرًا، والشر لا يمكن أن يصبح خيرًا، وإن الكهنة والسحرة الذين يعبدون الأوثان والأصنام لا بد أن يكونوا على خطأ؛ لأن معتقداتهم كانت أن الآلهة والأوثان التي يعبدونها هي آلهة الشر، وأنهم يتقربون إليها اتقاء لشرها ودفعًا له، وهم كذلك يتقربون إلى إله الشر ليصنع لهم الخير.
ورأى أن تاريخ العالم يتمثل في الصراع بين الخير الذي يمثله الإله "أهورامزدا"، والشر الذي يمثله الإله "أهرمان"، وأهورامزدا لا يمكن أن يكون مسئولا عن الشر؛ لأن الشر جوهرٌ، مثله مثل الخير، وأن هاتين القوتين وجهان للموجود الأول الواحد؛ لذلك لا بد أن يكون بعد الموت حياة أخرى، بعدما ينتصر الإله الأوحد على الشر، عندئذ يُبعث الموتى، ويحيا الناس مرة أخرى، وتنطلق الأرواح الخيرة إلى الجنة، أما روح الشر وأتباعها من الخبثاء فيحترقون في المعدن الملتهب.. عندها يبدأ العالم السعيد الخير الذي لا شر فيه ويدوم سرمديًا.
وظل زرادشت على جبل سابلان يستوضح  بينما هو وهو واقف على الجبل رأى نورًا يسطع فوقه، وإذا به "فاهومانا" كبير الملائكة، قد جاء ليقود زرادشت إلى السماء ليحظى بشرف لقاء الرب، ويستمع إلى تكليفه بأمر النبوة، فصدع بالأمر، ثم قال بعدها: سأنزل إلى الناس، وأقود شعبي باسم أهورامزدا من الظلام إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الشر إلى الخير.

شق الصدر

 وشق صدره بطعنة سيف وملئت أحشاؤها بالرصاص المنصهر، فلم يشك أو يتململ بل ظل مستمسكا بإيمانه بأهورا- مزدا (رب النور) الإله الأعظم. وتجلى له أهورا- مزدا ووضع في يديه الأبستاق أي كتاب العلم والحكمة، وأمره أن يعظ الناس بما جاء فيه. وظل العالم كله زمناً طويلاً يسخر منه ويضطهده، حتى سمعه أخيراً أمير إيراني  عظيم يدعى فشتشبا أو هستسبس، فأعجبه ما سمع، ووعده أن ينشر الدين الجديد بين شعبه، وهكذا ولد الدين الزردشتي  واعلن  زرادشت رسالته بقوله ( ان الله ارسلني نبيا وبشيرا بالخير وبالناس هاديا وبيوم الحساب نذيرا واني نبي آخر الزمان)

 
زرادشت يدعو.. والقوم لا يستجيبون
قرر زرادشت أن يدعو قومه إلى تعاليمه والإيمان بها، واستمر في دعوتهم عشر سنوات، لقي فيها عنتًا واضطهادًا، ولم يؤمن به أحد، وتخلت عنه عشيرته وأسرته، بل طرد من بلده، فتنقل بين البلاد والأقاليم، إلا أن الناس تجنبوه، وأغلقوا دونه الأبواب؛ لأنه رجل يسب الدين والكهنة، فتطرق اليأس إلى قلبه.فبدأت سحابة اليأس المظلمة تنقشع عن قلبه بعدما آمن به ابن عمه "ميتوماه" الذي نصحه أن يدعو المتعلمين من قومه إلى تعاليمه؛ لأن تعاليمه الجديدة صعبة على فهم الناس غير المتعلمين.
الجهال لا يستحقون الدعوة
استرعت نصيحة ميتوماه زرادشت، وعزم أن يبدأ بالمتعلمين لدعوته، وعلى رأسهم الملك "كاشتاسب" وزوجته؛ لذا انطلق إلى مقر إقامة الملك، وشرح له دعوته الجديدة، ودعاه إلى الإيمان بها، وعقد الملك مناظرات بين زرادشت من جانب والكهنة والسحرة من جانب آخر، واستمرت المناظرات لمدة ثلاثة أيام، أجاب فيها زرادشت عن جميع أسئلتهم بعدما أخذ العهد والميثاق من الملك أن يتبع تعاليمه، ويتخلى عن عبادة الأصنام إذا انتصر على هؤلاء الكهنة، ولما تحقق نصر زرادشت عليهم قال الملك: "إنما هو نبي من عند إله حكيم"، فآمن به، وانتشرت ديانة زرادشت في إيران، وأقبلت جموع الناس على زرادشت للإيمان بهذا الدين الجديد، فملأت السعادة نفسه؛ لأنه انتصر على الأصنام والأوثان.

بداية دعوته  في قومه  وانكاره عليهم عباد الاصنام والاوثان
ولما ظهر بين أسلاف الميديين والفرس، وجد بني وطنه يعبدون الحيوانات كما يعبدون أسلافهم (ويعبدون الأرض والشمس، وأن لهم دينا يتفق في كثير من عناصره وآلهته مع دين الهندوس في العهد الفيدي.
وكان أكبر الآلهة في الدين السابق للدين الزردشتي مثرا إله الشمس، وأنيتا إلهة الخصب والأرض، وهَوْما الثور المقدس الذي مات ثم بعث حياً، ووهب الجنس البشري دمه شراباً ليسبغ عليه نعمة الخلود. وكان الإيرانيون الأولون يعبدونه بشرب عصير الهَوْما المسكر وهو عشب ينمو على سفوح جبالهم  .

ثورة زرادشت  على الاوثان والاصنام
وهال زردشت ما رأى من هذه الآلهة البدائية، وهذه الطقوس الخمرية، فثار على المجوس أي الكهنة الذين يصلون لتلك الآلهة ويقربون لها القرابين، وأعلن في شجاعة لا تقل عن شجاعة معاصريه عاموس وإشعيا أن ليس في العالم إلا إله واحد هو في بلاده أهورا- مزدا إله النور والسماء، وأن غيره من الآلهة ليست إلا مظاهر له وصفات من صفاته. ولعل دارا الأول حينما اعتنق الدين الجديد رأى فيه ديناً ملهماً لشعبه، ودعامة لحكومته، فشرع منذ تولى الملك يثير حرباً شعواء على العبادات القديمة وعلى الكهنة المجوس، وجعل الزردشتية دين الدولة.

نهاية زرادشت
ولما بلغ زرادشت ستين سنة رأى أن يفرض الملك تعاليمه على شعب نوران المجاور لإيران، ودارت رحى الحرب بين المملكتين حول عقيدة زرادشت، وبعد معارك رهيبة شرسة انتصر الإيرانيون، وفرضوا عقيدتهم على الشعب المجاور، وأصبح زرادشت بطلا قوميًا؛ كلمته قانون، وتعاليمه مقدسة، غير أن العقيدة لا تُفرض على القلوب، ولا تُصَب مبادئها في العقول، والدين اقتناع لا إكراه؛ لذلك كره شعب نوران زرادشت وتعاليمه، ولم يكفوا عن المقاومة طيلة سبعة عشر عامًا، حتى استطاعوا أن يشعلوا نار حرب أخرى كبيرة، والتقى الجمعان في ساحة القتال، أما زرادشت فذهب إلى المعبد مع ثمانين من كبار الكهنة يصلون للنار المقدسة أن تنقذ أسوار مدينتهم التيتتهاوى أمام شعب نوران، الذي رفض أن تفرض العقيدة عليه.
وتعالت دعوات زرادشت وهو راكع أمام الناس أن ينقذ شعبه وتعاليمه، غير أن الهزيمة كانت أقوى من الدعوات؛ فدخل النورانيون المعبد، وطعنوا زرادشت في ظهره بحربة، وقتلوا جميع الكهنة، وسالت الدماء في المعبد حتى أطفأت النار.
وانتهت حياة زرادشت وهو في السابعة والسبعين من عمره، وانتقم الملك لمقتله بعد ذلك، وانتصر على النورانيين، ولم يقبل منهم صلحًا حتى وعدوه باعتناق الزرادشتية.

كتب زرادشت المقدسة
وكان الكتاب المقدس للدين الجديد هو مجموعة الكتب التي جمع فيها أصحاب النبي ومريدوه أقواله وأدعيته. وسمى أتباعه المتأخرين هذه الكتب  الآفيستا ، وهي المعروفة عند العالم الغربي باسم الزند- أبستا، بناء على خطأ وقع فيه أحد العلماء المحدثين  . ومما يروع القارئ غير الفارسي في هذه الأيام أن يعرف أن المجلدات الضخمة الباقية- وإن كانت أقل كثيراً من كتاب التوراة- ليست إلا جزءاً صغيراً مما أوحاه إلى زرثسترا إلهه  .
وهذا الجزء الباقي يبدو للأجنبي الضيق الفكر كأنه خليط مهوش من الأدعية، والأناشيد، والأقاصيص، والوصفات، والطقوس الدينية، والقواعد الخلقية، تجلوها في بعض المواضع لغة ذات روعة، وإخلاص حار، وسمو خلقي، أو أغان تنم عن رقي وصلاح. وهي تشبه العهد القديم من الكتاب المقدس فيما تثيره في النفس من نشوة قوية. وفي وسع الدارس أن يجد في بعض أجزائها ما يجده في الرج- فدا من آلهة وآراء، ومن كلمات وتراكيب في بعض الأحيان. وتبلغ هذه من الكثرة حداً جعل بعض علماء الهنود يعتقدون أن الأبستاق ليست وحياً من عند أهورا- مزدا، بل هي مأخوذة من كتب الفِدا. ويعثر الإنسان في مواضع أخرى منها على فقرات من أصل بابلي قديم، كالفقرات التي تصف خلق الدنيا على ست مراحل ( السماوات، فالماء، فالأرض، فالنبات، فالحيوان، فالإنسان)، وتسلسل الناس جميعاً من أبوين أولين، وإنشاء جنة على الأرض ، وغضب الخالق على خلقه، واعتزامه أن يسلط عليهم طوفاناً يهلكهم جميعا إلا قلة صغيرة منهم . ولكن ما فيها من عناصر إيرانية خالصة يشتمل على كثير من الشواهد التي تكفي لصبغ الكتاب كله بالصبغة الفارسية العامة. فالفكرة السائدة فيه هي ثنائية العالم الذي يقوم على مسرحه صراع يدوم اثني عشر ألف عام بين الإله أهور- مزدا والشيطان أهرمان؛ وأن أفضل الفضائل هما الطهر والأمانة وهما يؤديان إلى الحياة الخالدة؛ وأن الموتى يجب أن لا يدفنوا أو يحرقوا، كما كان يفعل اليونان أو الهنود القذرون، بل يجب أن تلقى أجسامهم إلى الكلاب أو الطيور الجارحة .
وكان إله زردشت في بادئ الأمر هو: "دائرة السماوات كلها" نفسها. فأهورا مزدا "يكتسي بقبة السماوات الصلبة يتخذها لباساً له؛ ... وجسمه هو الضوء والمجد الأعلى، وعيناه هما الشمس والقمر". ولما أن انتقل الدين في الأيام الأخيرة من الأنبياء إلى الساسة صُوّر الإله الأعظم في صورة ملك ضخم ذي جلال مهيب. وكان بوصفه خالق العالم وحاكمه يستعين بطائفة من الأرباب الصغار، كانت تصور أولا كأنها أشكال وقوى من أشكال الطبيعة وقواها- كالنار، والماء، والشمس، والقمر، والريح، والمطر. ولكن أكبر فخر لزردشت أن الصورة التي تصورها لإلهه هي أنه يسمو على كل شيء. وأنه عبَّر عن هذه الفكرة بعبارات لا تقل جلالاً عما جاء في سفر أيوب
من الذي رفع السماء والارض ويمسكها من الوقوع  

(هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر يا أهورا مزدا: من ذا الذي رسم مسار الشموس والنجوم؟- ومن ذا الذي يجعل القمر يتزايد ويتضاءل؟ ... ومن ذا الذي رفع الأرض والسماء من تحتها وأمسك السماء أن تقع؟- من ذا الذي حفظ المياه والنباتات- ومن ذا الذي سخر للرياح والسحب سرعتها- ومن ذا الذي أخرج العقل الخيّر يا أهورا مزدا؟)
وليس المقصود "بالعقل الخير" عقلاً إنسانياً ما، بل المقصود به حكمة إلهية لا تكاد تفترق في شيء عن "كلمة الله"  يستخدمها أهورا مزدا واسطة لخلق الكائنات. وكان أهورا مزدا كما وصفه زردشت سبعة مظاهر أو سبع صفات  هي: النور، والعقل الطيب، والحق، والسلطان، والتقوى، والخير، والخلود. ولما كان أتباعه قد اعتادوا أن يعبدوا أرباباً متعددة فقد فسروا هذه الصفات على أنها أشخاص (سموهم أميشا اسبننا أو القديسين الخالدين) الذين خلقوا العالم ويسيطرون عليه بإشراف أهورا مزدا وإرشاده. وبذلك حدث في هذا الدين ما حدث في المسيحية فانقلبت الوحدانية الرائعة التي جاء بها مؤسسه شركا لدى عامة الشعب. وكان لديهم فضلاً عن هذه الأرواح المقدسة كائنات أخرى هي الملائكة الحرّاس. وقد اختص كل رجل وكل امرأة وكل طفل- حسب أصول اللاهوت الفارسي- بواحد منها، وكان الفارسي التقي يعتقد (ولعله كان في هذا الاعتقاد متأثراً بعقيدة البابليين في الشياطين) أنه يوجد إلى جانب هؤلاء الملائكة والقديسين الخالدين الذين يعينون الناس على التحلي بالفضيلة سبعة شياطين (ديو) أو أرواح خبيثة تحوم في الهواء، وتغوي الناس على الدوام بارتكاب الجرائم والخطايا، وتشتبك أبد الدهر في حرب مع أهورا- مزدا ومع كل مظهر من مظاهر الحق والصلاح. وكان كبير هذه الزمرة من الشياطين أنكرا- مينبوما أو أهرمان أمير الظلمة وحاكم العالم السفلي. وهو الطراز الأسبق للشيطان الذي لا ينقطع عن فعل الشر، والذي يلوح أن اليهود أخذوا فكرته عن الفرس ثم أخذتها عنهم المسيحية. مثال ذلك أن أهرمان أمير الظلمة وحاكم العالم السفلي. وهو الطراز الأسبق للشيطان الذي لا ينقطع عن فعل الشر، والذي يلوح أن اليهود أخذوا فكرته عن الفرس ثم أخذتها عنهم المسيحية. مثال ذلك أن أهرمان هو الذي خلق الأفاعي، والحشرات المؤذية، والجراد، والنمل، والشتاء، والظلمة، والجريمة، والخطيئة، واللواط، والحيض، وغيرها من مصائب الحياة. وهذه الآثام التي أوجدها الشيطان هي التي خربت الجنة حيث وضع أهورا مزدا الجدين الأعليين للجنس البشري .
ويبدو أن زردشت كان يعد هذه الأرواح الخبيثة آلهة زائفة، وأنها تجسيد خرافي من فعل العامة للقوى المعنوية المجردة التي تعترض رقى الإنسان. ولكن أتباعه رأوا أنه أيسر لهم أن يتصوروها كائنات حية فجسدوها وجعلوا   لها صوراً مازالوا يضاعفونها حتى بلغت جملة الشياطين في الديانة الفارسية عدة ملايين.
ولقد كانت هذه العقائد وقت أن جاء بها زردشت قريبة كل القرب من عقيدة التوحيد، بل إنها حتى بعد أن أقحموا فيها أهرمان والأرواح ظل فيها من التوحيد بقدر ما في المسيحية بإبليسها وشياطينها وملائكتها. والحق أن الإنسان ليسمع في الديانة المسيحية الأولى أصداء كثيرة للثنائية الفارسية، لا تقل عما يسمع فيها من أصداء التزمت العبراني، أو الفلسفة اليونانية. ولعل الفكرة الزردشتية عن الإله كانت ترضى عقلاً يهتم بدقائق الأشياء وتفاصيلها كعقل ماثيو آرنلد. ذلك أن أهورا مزدا(الله)، كان جماع قوى العالم التي تعمل للحق؛ والأخلاق الفاضلة لا تكون إلا بالتعاون مع هذه القوى. هذا إلا أن في فكرة الثنائية بعض ما يبرر ما تراه في العالم من تناقض والتواء وانحراف عن طريق الحق لم تفسره قط فكرة التوحيد وإذا كان رجال الدين الزردشتيون يحاجون أحياناً كما يحُاجّ متصوفة الهنود والفلاسفة المدرسيون، بأن الشر لا وجود له في حقيقة الأمر، فإنهم في الواقع يعرضون على الناس ديناً يصلح كل الصلاحية لأن يمثل لأوساط الناس ما يصادفهم في الحياة من مشاكل خلقية تمثيلاً يقربها إلى عقولهم وتنطبع فيها انطباع الرواية المسرحية، وقد وعدوا أتباعهم بأن آخر فصل من هذه المسرحية سيكون خاتمة سعيدة- للرجل العادل. ذلك أن قوى الشر ستُغلب آخر الأمر ويكون مصيرها الفناء بعد أن يمر العالم بأربعة عهود طول كل منها ثلاثة آلاف عام يسيطر عليه فيها على التوالي أهورا مزدا وأهرمان. ويومئذ ينتصر الحق في كل مكان وينعدم الشر فلا يكون له من بعد وجود. ثم ينضم الصالحون إلى أهورا مزدا في الجنة ويسقط الخبيثون في هوة من الظلمة في خارجها يطعمون فيها أبد الدهر سُمَّاً زعافاً.

عقائد  وشريعة زرادشت

  وتقول الآفيستا أن على الإنسان واجبات ثلاثة. "أن يجعل العدو صديقاً وأن يجعل الخبيث طيباً، وأن يجعل الجاهل عالماً"وأعظم الفضائل عنده هي التقوى، ويأتي بعدها مباشرة الشرف والأمانة عملاً وقولاً. وحرّم أخذ الربا من الفرس، ولكنه جعل الوفاء بالدين واجباً يكاد أن يكون مقدساً. ورأس الخطايا كلها (في الشريعة الأبستاقية كما هي في الشريعة الموسوية) هو الكفر. ولنا أن نحكم من العقوبات الصارمة التي كانت توقع على الملحدين بأن الإلحاد كان له وجود بين الفرس، وكان المرتدون عن الدين يعاقبون بالإعدام من غير توان. لكن ما أمر به السيد من إكرام ورحمة لم يكن يطبق من الوجهة العملية على الكفار، أي على الأجانب، لأن هؤلاء كانوا صنفاً منحطاً من الناس أظلهم أهورا- مزدا فلم يحبوا إلا بلادهم وحدها لكي لا يغزو بلاد الفرس، ويقول هيرودوت أن الفرس: "يرون أنهم خير الناس جميعاً من جميع الوجوه ". وهم يعتقدون أن غيرهم من الأمم تدنوا من الكمال بقدر ما يقرب موقعها الجغرافي من بلاد فارس، وأن " شر الناس أبعدهم عنها". إن لهذه الألفاظ نغمة حديثة وإنها لتنطبق على جميع الأمم في هذه الأيام.
ولما كانت التقوى أعظم الفضائل على الإطلاق فإن أول ما يجب على الإنسان في هذه الحياة أن يعبد الله بالطهر والتضحية والصلاة. ولم تك فارس الزردشتية تسمح بإقامة الهياكل أو الأصنام، بل كانوا ينشئون المذابح المقدسة على قمم الجبال، وفي القصور، أو في قلب المدن، وكانوا يوقدون النار فوقها تكريماً لأهورا- مزدا  أو لغيره من صغار الآلهة. وكانوا يتخذون النار نفسها إلهاً يعبدونه ويسمونها أنار، ويعتقدون أنها ابن إله النور. وكانت كل أسرة تجتمع حول موقدها، تعمل على أن تظل نار بيتها متقدة لا تنطفئ أبدا، لأن ذلك من الطقوس المقررة في الدين. وكانت الشمس نار السماوات الخالدة تعبد بوصفها أقصى ما يتمثل فيها أهورا- مزدا أو مثرا كما عبدها إخناتون في مصر.

اوقات الصلاة الخمسة
 هاوان (شروق الشمس الى منتصف النهار)
رابيثوين (منتصف النهار منتصف الظهيره
وزيرين (منتصف بعد الظهر الى الغروب)
ايويسروثريم (الغروب الى منتصف الليل)
وشاهين (منتصف الليل إلى الفجر)

تقديم القرابين الى أهورا- مزدا
الى أهورا- مزدا القرابين من الأزهار، والخبز، والفاكهة، والعطور، والثيران، والضأن، والجمال، والخيل، والحمير، وذكور الوعول. وكانوا في أقدم الأزمنة يقربون إليها الضحايا البشرية شأن غيرهم من الأمم .
ولم يكن ينال الآلهة من هذه القرابين إلا رائحتها، أما ما يؤكل منها فقد كان يبقى للكهنة والمتعبدين، لأن الآلهة- على حد قول الكهنة- ليست في حاجة إلى أكثر من روح الضحية  .فإذا حال الفقر بين الناس وبين تقديم هذه القرابين الشهية، استعاضوا عنها بالزلفى إلى الآلهة بالأدعية والصلوات. وكان أهورا مزدا كما كان يهوه يحب الثناء ويتقبله، ومن ثم فقد وضع للمتقين من عباده طائفة رائعة من صفاته أضحت من الأوراد المحببة عند الفرس.
فإذا ما وهب الفارسي حياة التقى والصدق كان في وسعه أن يلقى الموت في غير خوف؛ ومهما يكن من الأغراض التي يهدف إليها الدين فإن هذا المطلب كان أحد مطالبه الخفية. وكان من العقائد المقررة أن أستواد إله الموت يعثر على كل إنسان أيا كان مقره؛ فهو الباحث الواثق، الذي لا يستطيع الإفلات منه آدمي ولو كان من أولئك الذين يغوصون في باطن الأرض. كما فعل أفرسياب التركي الذي شاد له تحت أطباق الثرى قصراً من الحديد يبلغ ارتفاعه قدر قامة الإنسان ألف مرة، وأقام فيه مائة من الأعمدة، تدور في سمائه النجوم والقمر والشمس تغمره بأشعة النهار. وكان في هذا القصر يفعل كل ما يحلو له ويحيا أسعد حياة. ولكن لم يستطع رغم قوته وسحره أن يفر من أستواد ... كذلك لم يستطع النجاة منه من حفر الأرض الواسعة المستديرة التي تمتد أطرافها إلى أبعد الحدود كما فعل دهاق إذ طاف بالأرض شرقاً وغرباً يبحث عن الخلود فلم يعثر عليه. ولم يفده بأسه وقوته في النجاة من أستواد...ذلك أن أستواد المخاتل يأتي متخفياً إلى كل إنسان، لا يعظّم شخصاً، ولا يتقبل الثناء ولا الارتشاء، بل يهلك الناس بلا رحمة  .
صفات الجنة والنار  وقصة المعراج
ولما كان من طبيعة الأديان أن ترهب وتنذر، كما تأسو وتبشر، فإن الفارسي رغم هذا كله لم يكن ينظر إلى الموت في غير رهبة إلا إذا كان جندياً يدافع عن قضية أهورا مزدا. فقد كان من وراء الموت، وهو أشد الخفايا كلها رهبة، وجحيم، وأعراف، وجنة. وكان لا بد لأرواح الموتى بأجمعها أن تجتاز قنطرة تصفى فيها، تجتازها الأرواح الطيبة فتصل في جانبها الثاني إلى "مسكن الفناء" حيث تلقاها وترحب بها "فتاة عذراء، ذات قوة وبهاء، وصدر ناهد، مليء" ؛ وهناك تعيش مع أهورا- مزدا سعيدة منعمة إلى أبد الدهر.
أما الروح الخبيثة فلا تستطيع أن تجتاز القنطرة فتتردى في درك من الجحيم يتناسب عمقه مع ما اقترفت من ذنوب. ولم يكن هذا الجحيم مجرد دار سفلى تذهب إليها كل الأرواح طيبة كانت أو خبيثة كما تصفها الأديان الأقدم عهداً  من الدين الزردشتي، بل كانت هاوية مظلمة مرعبة تعذب فيها الأرواح المذنبة أبد الآبدين. فإذا كانت حسنات الإنسان ترجح على سيئاته قاسى عذاباً مؤقتاً يطهره من الذنوب، وإذا كان قد ارتكب كثيراً من الخطايا ولكنه فعل الخير، لم يلبث في العذاب إلا اثني عشر ألف عام يرفع بعدها إلى السماء.

(يوجد ترجمة لبعض ايات الكتاب المقدس اردا فيراف المسمى زيارة الى الجنة والجحيم  المعراج للاخ waked)

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول


للمزيد  راجع لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول

نهاية العالم وبعث الموتى
ويحدثنا الزردشتيون الصالحون بأن العالم يقترب من نهايته المحتومة؛ ذلك بأن مولد زردشت كان بداية الحقبة العالمية التي طولها ثلاثة آلاف سنة، وبعد أن يخرج من صلبه في فترات مختلفة ثلاثة من النبيين ينشرون تعاليمه في أطراف العالم، يحلّ يوم الحساب الأخير، وتقوم مملكة أهورا- مزدا، ويهلك أهرمان هو وجميع قوى الشر هلاكاً لا قيام لها بعده. ويومئذ تبدأ الأرواح الطيبة جميعها حياة جديدة في عالم خال من الشرور والظلام والآلام: "فيُبعث الموتى، وتعود الحياة إلى الأجسام، وتترد فيها الأنفاس ... ويخلو العالم المادي كله إلى أبد الدهر من الشيخوخة والموت والفساد والانحلال".
وهنا أيضاً نستمع، كما نستمع في كتاب الموتى المصري، إلى التهديد بيوم الحساب الرهيب، وهو تهديد يلوح أنه انتقل من فلسفة الحشر الفارسية إلى الفلسفة اليهودية أيام أن كانت للفرس السيادة على فلسطين- ألا ما أروعه من وصف خليق بأن يرهب الأطفال فيصدعوا أوامر آبائهم!
ولما كان من أغراض الدين أن ييسر ذلك الواجب الصعب الضروري، واجب تذليل الصغار على يد الكبار، فإن من حق الكهنة الزردشتيين أن نقرّ لهم بما كانوا عليه من مهارة في وضع قواعد الدين. وإذا ما نظرنا إلى هذا الدين في مجموعهِ ألفيناه ديناً رائعاً أقل وحشية ونزعة حربية، وأقل وثنية وتخريفاً من الأديان المعاصرة له، وكان خليقاً بألا يُقضى عليه هذا القضاء العاجل.
وأتى على هذا الدين حين من الدهر في عهد دارا الأول كان فيه المظهر الروحي لأمة في أوج عزها. ولكن بني الإنسان يولعون بالشعر أكثر من ولعهم   بالمنطق، والناس يهلكون إذا خلت عقائدهم من بعض الأساطير. ومن أجل هذا ظلت عبادة مثرا وأنيتا- إله الشمس وإلهة الإنبات والخصب والتوالد والأنوثة- ظلت هذه العبادة قائمة إلى جانب دين أهورا- مزدا الرسمي تجد لها أتباعاً مخلصين، وعاد إسماهما إلى الظهور من جديد في النقوش الملكية أيام أرت خشتر الثاني، وأخذ اسم مثرا بعدئذ يعظم ويقوى، كما أخذ أهورا- مزدا يضمحل. وما أن وافت القرون الأولى من التاريخ الميلادي حتى انتشرت عبادة مثرا الإله الشاب ذو الوجه الوسيم- الذي تعلو وجهه هالة من نور ترمز إلى الوحدة القديمة بينه وبين الشمس- في جميع أنحاء الدولة الرومانية، وكان انتشارها هذا من أسباب الاحتفال بعيد الميلاد عند المسيحيين  .

ولو أن زردشت كان من المخلدين لتوارى خجلاً حين يرى تماثيل أنيتا أفرديتي الفرس، تقام في كثير من مدن الإمبراطورية الفارسية بعد بضعة قرون من وفاته. وما من شك في أنه كان يسوئه أن يجد صحفاً كثيرة من صحف وحيه قد خصها المجوس بطلاسم لشفاء المرضى والتنبؤ بالغيب والسحر وذلك أن "الرجال العقلاء" أي كهنة المجوس قد غلبوا زردشت على أمره، كما يغلب الكهنة في آخر الأمر كل عاتٍ عاصياً كان أو زنديقاً، وذلك بأن يضموه إلى دينهم أو يستوعبوه فيه؛ فسلكوا أولاً في عداد المجوس، ثم لم يلبثوا أن نسوا ذكره . وما لبث هؤلاء المجوس بزهدهم وتقشفهم، واقتصارهم على زوجة واحدة، ومراعاتهم لمئات من الطقوس المقدسة، ومن تطهرهم بمئات الأساليب اتباعا لأوامر الدين وطقوسه، وبامتناعهم عن أكل اللحوم، وبملبسهم البسيط الذي لا تكلف ولا تظاهر فيه، ما لبث هؤلاء أن اشتهروا بالحكمة بين الشعوب الأجنبية،  ومنهم اليونان أنفسهم، كما أصبح لهم على مواطنيهم سلطان لا تكاد تعرف له حدود. لقد أصبح ملوك الفرس أنفسهم من تلاميذهم، لا يقدمون على أمر ذي بال إلا بعد استشارتهم فيه، فقد كانت الطبقات العليا منهم حكماء، والسفلي متنبئين وسحرة، ينظرون في النجوم ويفسرون الأحلام(94)؛ وهل ثمة شاهد على كعبهم اكبر من أن اللفظ الإنكليزي المقابل لكلمة "السحر" Magic مشتق من اسمهم. وأخذت العناصر الزردشتية في الديانة الفارسية تتضاءل عاماً بعد عام؛ نعم إنها انتعشت وقتاً ما أيام الأسرة الساسانية (226- 651 ب. م)، ولكن الفتح الإسلامي وغزو التتار قضيا عليها القضاء الأخير. ولا يوجد أثر للديانة الزردشتية في هذه الأيام إلا بين عشائر قليلة العدد في ولاية فارس، وبين البارسيين من الهنود الذين يبلغ عددهم تسعين ألفاً.


ولا تزال هذه الجماعة حفيظة على كتبها المقدسة، تخلص لها وتدرسها، وتعبد النار والتراب، والأرض والماء، وتقدسها، وتعرض موتاها في "أبراج الصمت" للطيور الجارحة كي لا تدنس العناصر المقدسة بدفنها في الأرض أو حرقها في الهواء. وهم قوم ذوو أخلاق سامية وآداب رفيعة، وهم شاهد حي على فضل الدين الزردشتي وما له من أثر عظيم في تهذيب بني الإنسان وتمدينهم.  يراعون آداب المجالس ويحرصون عليها حرصاً لا يكاد يقل عن حرص الصينيين. وكانوا إذا تقابل منهم شخصان متساويان في المرتبة تعانقا وقبل كل منهما الآخر في شفتيه؛ فإذا قابل الواحد منهم من هو أعلى منه منزلة انحنى له انحناءة كبيرة تشعر بالخضوع والاحترام، وإذا التقى بمن هو أقل منه قدّم له خده ليقبله، فإذا قابل أحد السوقة اكتفى بإحناء رأسه
. وكانوا يستنكرون تناول شيء من الطعام أو الشراب على قارعة الطريق، كما يسوؤهم أن يبصق الإنسان أو يتمخط أمام الناس. وقد ظلوا أيام خشيرشا مقتصدين في مأكلهم ومشربهم، لا يطعمون إلا وجبة واحدة في اليوم، ولا يشربون إلا الماء القراح . وكانوا يعدون النظافة أكبر النعم لا تفضلها إلا الحياة نفسها، وأن الأعمال الطيبة إذا صدرت عن أيد قذرة كانت لا قيمة لها، "لأن الإنسان إذا لم يقض على الفساد (ولعله يريد "الجراثيم")فإن الملائكة لا تسكن جسمه". وكانوا يفرضون أشد العقوبات على من يتسببون في نشر الأمراض المعدية. وكان الأهلون يجتمعون في الأعياد وكلهم يرتدون الملابس البيضاء. وكانت الشريعة الأبستاقية كالشريعتين البرهمية والموسوية مليئة بمراسم التطهير والحذر من القذارة. وفي كتاب الزردشتيين المقدس فقرات طويلة مملة خصت كلها بشرح القواعد  الواجب اتباعها لطهارة الجسد والروح. وقد جاء فيها أن قلامة الأظفار، وقصاصات الشعر، وإخراج النفس من الفم كلها أقذار يجب على الفارسي العاقل أن يتجنبها إلا إذا كانت قد طهرت من قبل.


كذلك كانت الشرائع الفارسية صارمة في عقاب خطايا الجسد صرامة الشرائع اليهودية، فكان الاستمناء باليد يعاقب عليه بالجلد، وكان عقاب من يرتكب جريمة الزنا واللواط والسحاق من الرجال والنساء "أن يقتلوا لأنهم أحق بالقتل من الأفاعي الزاحفة والذئاب العاوية". لكن في مقدورنا أن نستدل من الفقرة الآتية التي أوردها هيرودوت على وجود الخلف المعتاد بين القول والعمل: "يرى الفرس أن خطف النساء قوة واقتداراً عمل لا يأتيه إلا الأشرار، ولكن اشتغال الإنسان بالثأر لهن إذا اختطفن من أعمال الحمقى؛ أما إهمالهن إذا اختطفن فمن أعمال الحكماء؛ فغير خاف أنهن لو لم يكن راغبات لما اختطفن". ويقول في موضع آخر إن الفرس "قد أخذوا عن اليونان اشتهاء الغلمان" ، وإنا وإن كنا لا نستطيع أن نثق بكل ما يقوله هذا الراوية العظيم لنستشف ما يؤيد قوله هذا في العبارات القاسية التي تشنع بها الأبستاق على اللواط. فهي تقول في مواضع كثيرة إن هذا الذنب لا يغتفر وإنه " لا شيء يمحوه قط".
ولم يكن القانون يشجع البنات على أن يظللن عذارى ولا العزاب على أن يبقوا بلا زواج، ولكنه كان يبيح التسري وتعدد الزوجات، ذلك بأن المجتمعات الحربية في حاجة ماسة إلى كثرة الأبناء. وفي ذلك تقول الأبستاق: "إن الرجل الذي له زوجة يفضل كثيراً من لا زوجة له، والرجل الذي يعول أسرة يفضل كثيراً من لا أسرة له، والذي له أبناء يفضل من لا أبناء له، والرجل ذو الثراء أفضل كثيراً ممن لا ثروة له"، وتلك كلها معايير للمركز الاجتماعي شائعة بين مختلف الأمم، وكانت الأسرة لديهم أقدس النظم الاجتماعية وكان من الأسئلة التي ألقاها زردشت على أهورا- مزدا: "أي إلهي خالق العالم المادي- إلهي القدوس! ما هو المكان الثاني الذي تحس الأرض فيه أنها أسعد ما تكون؟". ويجيبه أهورا- مزدا عن سؤاله هذا بقوله : "إنه المكان الذي يشيد فيه أحد المؤمنين بيتا في داخله كاهن، وفيه ماشية، وفيه زوجة، وفيه أطفال، وفيه أنعام طيبة، والذي تكثر فيه الماشية بعدئذ من النتاج، وتكثر فيه الزوجة من الأبناء، وينمو فيه الطفل، وتشتعل فيه النار، وتزداد فيه جميع نعم الحياة"  .

وكان الحيوان- خاصة الكلب- جزءاً أساسياً من الأسرة، كما كان شأنه في الوصية الأخيرة التي أنزلت على موسى، وكان واجبا مفروضاً على أقرب الأسر إلى أنثى الحيوان الحامل الضالة أن تعنى بها، وفرضت أشد العقوبات على من يطعمون الكلاب طعاماً فاسداً، أو طعاماً شديد الحرارة؛ وكان عقاب من "يضرب كلبة علتها ثلاث كلاب "أن يجلد أربعمائة وألف جلدة. وكانوا يعظمون الثور لما له من قدرة عظيمة على الإخصاب. كما كانوا يصلون للبقرة ويقربون لها القربان.
وكان الآباء ينظمون شئون الزواج لمن يبلغ الحُلُم من أبنائهم. وكان مجال الاختيار لديهم واسعاً، فقد قيل لنا إن الأخ كان يتزوج أخته، والأب ابنته، والأم ولدها. وكان التسريّ من المتع التي اختص بها الأغنياء، ولم يكن الأشراف يخرجون للحرب إلا ومعه سراريهم . وكان عدد السراري في قصر الملك في العصور المتأخرة من تاريخ الإمبراطورية يتراوح بين 360ر329، فقد أصبحت العادة في تلك الأيام ألا يضاجع الملك امرأة مرتين إلا إذا كانت رائعة الجمال.

وكان للمرأة في بلاد الفرس مقام سام في أيام زردشت كما هي عادة القدماء؛ فقد كانت تسير بين الناس بكامل حريتها سافرة الوجه، وكانت تمتلك العقار وتصرف شئونه، وكان في وسعها أن تدير شئون زوجها باسمه أو بتوكيل منه. ثم انحطت منزلتها بعد دارا، وخاصة بين الأغنياء، فأما المرأة الفقيرة فقد احتفظت بحريته في التنقل لاضطرارها إلى العمل، وأما غير الفقيرات فقد كانت العزلة المفروضة عليهن في أيام حيضهن على الدوام تمتد حتى تشمل جميع حياتهن الاجتماعية، وكان ذلك أساس نظام البردة عند المسلمين. ولم تكن نساء الطبقات العليا يجرؤن على الخروج من بيوتهن إلا في هوادج مسجفة، ولم يكن يسمح لهن بالاختلاط بالرجال علناً. وحرم على المتزوجات منهن أن يرين أحداً من الرجال ولو كانوا أقرب الناس إليهن كآبائهن أو إخوانهن. ولم تذكر النساء قط أو يرسمن في النقوش أو التماثيل العامة في بلاد الفرس القديمة. أما السراري فكن أكثر من غيرهن حرية، إذ كان للنساء في جميع الأوقات سلطان قوى في بلاط الملوك حتى في العهود الأخيرة، وكن ينافسن الخصيان في تدبير المؤامرات، والملوك في تمحيص وسائل التعذيب  .
وكان الأبناء كما كان الزواج من الشروط الأساسية للإجلال والإكبار. فالذكور منهم ذوو فائدة اقتصادية لآبائهم وحربية لملوكهم؛ أما البنات فلم يكن يرغب فيهن، لأنهن كن ينشأن لغير بيوتهن، وليستفيد منهن غير آبائهن. ومن أقوال الفرس في هذا المعنى: "إن الرجال لا يدعون الله أن يرزقهم بنات، والملائكة لا تحسبهن من النعم التي أنعم بها على بني الإنسان". وكان الملك في كل عام يرسل الهدايا إلى الآباء الكثيري الأبناء، كأن هذه الهدايا ثمناً لدمائهم يدفع مقدماً.
وكان الحمل سفاحاً سواء ممن لم يتزوجن من البنات أو ممن تزوجن منهن يغتفر أحياناً إذا لم تجهض الحامل، ذلك أن الإجهاض كان في تقديرهم أشد جرماً من سائر الجرائم، وكان عقابه الإعدام.
وقد ورد في أحد الشروح القديمة المسماة بالبندهش وصف لجملة وسائل لمنع الحمل، ولكنها تحذر الناس من الالتجاء إليها.
ومما جاء فيها: "وفيما يختص بالتناسل قيل في الكتاب المنزل إن المرأة إذا خرجت من الحيض تظل عشر ليال وعشرة أيام عرضة للحمل إذا اقترب منها الرجال.
وكان الوليد يبقى في أحضان أمه حتى السنة الخامسة من عمره ثم يحتضنه أبوه حتى السابعة، وفي هذه السنة يدخل المدرسة. وكان التعليم يقصر في الغالب على أبناء الأغنياء، ويتولاه الكهنة عادة. فكان التلاميذ يجتمعون في الهيكل أو في بيت الكاهن؛ وكان من المبادئ المقررة ألا تقوم مدرسة بالقرب من السوق حتى لا يكون ما يسودها من كذب وسباب وغش سبباً في إفساد الصغار. وكانت الكتب الدراسية هي الأبستاق وشروحها، وكانت مواد الدراسة تشمل الدين، والطب أو القانون، أما طريقة الدرس فكانت الحفظ عن ظهر قلب، وتكرار الفقرات الطويلة غيباً. أما أبناء الطبقات غير الموسرة فلم يكونوا يفسدون بتلقي ذلك النوع من التعليم، بل كان تعليمهم مقصوراً على ثلاثة أشياء- ركوب الخيل، والرمي بالقوس، وقول الحق.
_____________________

واخيرا  اتمنى ان وفقت بجمع ماتيسر لي من سيرة زرادشت ولمن اراد التعمق اكثر والبحث في هذه الديانة  فليراجع  هذا الموقع الذي يحتوي على جميع الكتب المقدسة لزرادشت  Avesta (الافستا)
لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول


البحث منقول بتصرف من
•   ول ديورانت – قصة الحضارة –http://www.civilizationstory.com/

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول[/img]
"شكرا لك":
*
سجل

َ لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
الفهــــــــــــــرس الشخصــــــــــــي

هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ويهود حارت والمجوس مضللهْ  اثنان أهل الأرض : ذو عقـل بلا ديــن وآخر ديِّن لا عقل لهْ
waked
رئيس شرف المنتدى
عضو ماسي
******
غير متصل غير متصل

رسائل: 2,624



الجوائز

waked.304.el7ad.org

159.304.el7ad.org

« رد #1 في: 17/11/2006, 16:06:34 »

اكثر من رائع .
هل لديك دراسه عن متى كتبت الكتب الدينيه الزرادشتيه ؟ flowers
سجل

الحكيم من يعلم انه لايعلم
                         سقراط
المستشار
عضو ذهبي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 575



الجوائز

asdy.304.el7ad.org

304.304.el7ad.org

« رد #2 في: 17/11/2006, 16:20:22 »

عزيزي واكد  للأسف  اضمحلال  لغتي الانجليزية  لايساعدني  في  البحث  اكثر عن شخصية زرادشت
 وكتبه  حيث اني اجد  بالبحث في قوقل  عدة  مواضيع  وابحاث باللغة الانجليزية  لا استطيع ترجمتها

لعلك  تجد  في هذا  الموقع  لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول    ماتبحث عنه  
او  هنا  لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول

وهنا لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول

 kisses
سجل

َ لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
الفهــــــــــــــرس الشخصــــــــــــي

هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ويهود حارت والمجوس مضللهْ  اثنان أهل الأرض : ذو عقـل بلا ديــن وآخر ديِّن لا عقل لهْ
tafili
رئيس شرف المنتدى
عضو ماسي
******
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 2,395



WWW الجوائز

tafili.304.el7ad.org

46.304.el7ad.org

« رد #3 في: 17/11/2006, 18:54:06 »

أوجه الشبه بينها و بين الديانة المحمدية كثيرة جدا

لا شك في تأثر بل و اقتباس محمد للكثير من هذه الديانة
سجل

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
المستشار
عضو ذهبي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 575



الجوائز

asdy.304.el7ad.org

304.304.el7ad.org

« رد #4 في: 17/11/2006, 19:02:09 »

نعم  اخي طفيلي   اكاد  اجزم  ان محمد   اقتبس  الكثير من عقائده  وعباداته  من زرادشت  والصابئة  
  المندائية
سجل

َ لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
الفهــــــــــــــرس الشخصــــــــــــي

هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ويهود حارت والمجوس مضللهْ  اثنان أهل الأرض : ذو عقـل بلا ديــن وآخر ديِّن لا عقل لهْ
البرنس
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 247


فين ايامك يا صضام


الجوائز

البرنس.304.el7ad.org

1156.304.el7ad.org

« رد #5 في: 21/11/2006, 05:13:25 »

مقتبس من: "الوهيم"
نعم  اخي طفيلي   اكاد  اجزم  ان محمد   اقتبس  الكثير من عقائده  وعباداته  من زرادشت  والصابئة  
  المندائية
يعنى النبى اللى مكنش بيعرف يقرا ولا يكتب حتى باللغه العربيه ترجم قصه ذرادشت و افكارة من الفارسيه للعربيه و ترجم المسيحيه و درست كل مذاهبها الابيونيه و الغنوصيه و الاريوسيه و النسطوريه و درس الدين اليهودى و العهد القديم كله وعمل من كل دة كوكتيل دين جديد يجمع منه اللى على مزاجه ؟ دة اكيد كان عندة كمبيوتر 600 جيجا بايت و كان عندة جوجل يدور فيه على كل الحاجات دى و كان عندة برنامج ترجمه لجميع اللغات الاتينيه و الفارسيه و العبريه و هو استخلص كل دة و قدمه لينا باللغه العربيه بالاسلوب القرانى  اللى ملوش نظير فى البلاغه -- الغريب برضه انه كان عندة قدرة فظيعه على الحفظ سواء يحفظ الكلام اللى قراة و اتعلمه من بحيرة الراهب و هو طفل او من القس ورقه ابن نوفل اللى قابله مرتين فى حياته او سواء انه مكنش بينسى القران اللى بيألفه ولا بيتلخبط فيه  و استحمل الضرب و الاهانه من قومه و اهله فى مكه -- و الغريبه انه بعد ما اقام دولته فى المدينه كان بينام على الحصير و يفضل بالايام من غير ما يدخل جوفه الا الماء و تمرات بدل ما يبحبح نفسه و يبنى فيلا او قصور رئاسيه تعوضه عن ايام الشقا اللى عاشها  و الغريب انه حرم الخمرة و لحم الخنزير و حرم الزنا و لبس الحرير و الدهب وحرم حاجات كتير اوى بدل ما يحللها عشان يكسب معارضيه بسهوله و اهو بالمرة يبقى يدلع نفسه و الناس تدخل فى دينه بالملايين--- الصراحه انتو موقفكو صعب يا أصدقائى الملحدين ( اللى يقرا قصه حياة النبى بحياد لا يملك حتى لو كان ملحد الا انه يدهش من عظمه هذا الرجل و عبقريته و مش معقوله كانت ماشيه معاة بالصدفه كدة طول عمرة) و لو فى حد منكو قرى فى التاريخ او سمع عن حد اعظم منه او اثر فى الملايين و ملك قلوبهم زيه يقولى عليه --- انا عن نفسى افخر انى من امه و اعتقد ان اى ملحد عربى حيادى لازم يفخر ان امه العرب انجبت اعظم انسان فى تاريخ بنى البشر كلهم
فى النهايه اشهد ان لا اله الا الله و ان محمد رسول الله (اظن من حقى) ولا ممنوع التعبير عن حريه المعتقد هنا؟
سجل

( موظامبيق اولا ) ( موظامبيق  للموظامبيقيين ) ( معا لظمبقه موظامبيق )
Abdallah1971
عضو ناشط
***
غير متصل غير متصل

رسائل: 119


الجوائز

Abdallah1971.304.el7ad.org

1193.304.el7ad.org

« رد #6 في: 04/12/2006, 11:29:14 »

نعم التشابه كبير بين الزردشتية واليهودية والاسلام ، وذلك أن السراج واحد
أشكر أخي البرنس على نقطته الرائعة وهي كما قال تعالى : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ﴿103﴾ النحل
سجل

لحكمة ضالة المؤمن
حيران محتار
رئيس شرف المنتدى
عضو ماسي
******
غير متصل غير متصل

رسائل: 3,058



الجوائز

benz.304.el7ad.org

169.304.el7ad.org

« رد #7 في: 04/12/2006, 11:50:33 »

الزملاء الأعزاء: تحية طيبة:

السراج واحد طيب ممكن دليل واحد على أن زرادشت نبي سماوي ؟ وهل تعلم العقائد الزرادشتيه وهل تتوافق مع الشرائع السماوية وهل ذكر الانجيل شئ عنه باعتبار أنه ادعى النبوه قبل ظهور عيسى ؟؟؟؟؟؟؟

بيقولوا في واحد اسمه سلمان الفارسي وغيره ونعلم أن العقيدة الزرادشتيه كانت منتشرة في ذلك الوقت خاصة بعد أن أحياها وبعثها مرة أخرى (ماني بن فاتك) ونقل الكثير من فلسفاتها في دعوته
والعرب يعرفونها ويعرفون اساطيرها (أساطير الأولين)

الحجة العوجاء:
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين

يعني هم قالوا بيكتب بلغة عربية فصحى هو بيعطي الفكرة ومحمد يفلسفها ويكتبها بلغة عربية فصحى

ما ينقل عن سلمان الفارسي وديانته المجوسية (الزرادشتيه) قبل الاسلام
كنت رجلا من أهل أصبهان, من قرية يقال لها "جي"..
وكان أبي دهقان أرضه.
وكنت من أحب عباد الله اليه..
وقد اجتهدت في المجوسية, حتى كنت قاطن النار التي نوقدها, ولا نتركها تخبو..
وكان لأبي ضيعة, أرسلني اليها يوما, فخرجت, فمررت بكنيسة للنصارى, فسمعتهم يصلون, فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون, فأعجبني ما رأيت من صلاتهم, وقلت لنفسي هذا خير من ديننا الذي نحن عليه, فما برحتهم حتى غابت الشمس, ولا ذهبت الى ضيعة أبي, ولا رجعت اليه حتى بعث في أثري...
لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول

 thinking
سجل

لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
الفهــــــــــــــرس الشـــخصـــــــــــــــي

  wav
المستشار
عضو ذهبي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 575



الجوائز

asdy.304.el7ad.org

304.304.el7ad.org

« رد #8 في: 27/06/2007, 22:14:24 »

ميلاد الشيطان
زرادشت: نبي التوحيد، نبي الثَنَوية


فراس السوّاح

مقدمة تاريخية
منذ مطلع الألف الثاني ق م أخذت الشعوب المعروفة تاريخياً باسم الشعوب الهندآرية بالانسياح من مواطنها الأصلية في السهوب الأوراسية نحو آسيا الصغرى وأوروبا والهند وإيران. وقد وصلت طلائع الهندآريين إلى الهضبة الإيرانية خلال أواسط الألف الثاني ق م، ثم أخذت بالاستقرار تدريجياً في ثلاث مناطق رئيسية، بحسب عشائرها، وهي: منطقة ميديا، ومنطقة فارس، ومنطقة بارثيا. في مطلع الألف الأول ق م حكمت ميديا سلالة ملكية بدأت بتوحيد الممالك الإيرانية الصغيرة منذ القرن الثامن ق م، ثم أفلحت في بسط سلطتها على كامل إيران عقب تحالفها مع بابل وتدميرهما آشور خلال عامي 614–612 ق م. دام سلطان الميديين قرابة قرن من الزمان، إلى أن قام قورش ملك فارس بالتمرد على حميه ملك ميديا عام 549 ق م، وأخضع ميديا وبقية المناطق الإيرانية، وأسَّس لحكم أسرة قوية عُرِفَت باسم الأسرة الأخمينية. بعد أن استتبت له الأمور في إيران أخذ قورش بالضغط على الحدود الشرقية للإمبراطورية البابلية، إلى أن سقطت بابل العاصمة في يده عام 539 ق م وانفتحت أمامه بوابة آسيا الغربية، فتابع مسيرته غرباً حتى استولى على جميع مناطق النفوذ البابلية في بلاد الشام وآسيا الصغرى، ثم أكمل ابنه قمبيز ضمَّ مصر بعد ذلك بقليل. وبذلك ابتدأ عصر جديد في منطقة الشرق القديم هو عصر الإمبراطورية الفارسية التي حكمت أصقاعاً مترامية الأطراف، تمتد من البنجاب في الهند شرقاً إلى حدود اليونان القارية وحدود الصحراء الغربية في مصر غرباً. دامت هذه الإمبراطورية قرابة قرنين من الزمان، إلى أن انتهت على يد الإسكندر المقدوني عام 331 ق م.

في عام 280 ق م قامت في مملكة بارثيا ثورة على حكم السلوقيين السوريين من خلفاء الإسكندر بقيادة الزعيم أرشق الذي حرر بارثيا أولاً، ثم بقية المناطق الإيرانية، وأسَّس لحكم أول أسرة بارثية. بعد وفاة أرشق قام خلفاؤه بمتابعة الضغط على القوات السلوقية، حتى دفعوا بها إلى ما وراء نهر دجلة. وفي عهد الملك ميتراديس الأول وخليفته ميتراديس الثاني تم إجلاء السلوقيين إلى ما وراء نهر الفرات، فامتدت الإمبراطورية البارثية من حدود الهند شرقاً إلى نهر الفرات غرباً. امتد العمر بهذه الإمبراطورية أجلاً طويلاً، وذلك من أواسط القرن الثاني ق م إلى أوائل القرن الثالث الميلادي عندما عادت السلطة مجدداً إلى فارس. فقد قام حاكم منطقة فارس المدعو بابك بالثورة على البارثيين وأعلن فارس مملكة مستقلة. ثم خلفه ابنه أردشير الأول الذي التقى بآخر ملوك البارثيين في معركة فاصلة وقتله عام 226 م. وأردشير الأول هو مؤسِّس الأسرة الساسانية التي حكمت الإمبراطورية الفارسية قرابة أربعة قرون. من أشهر ملوك الساسانيين خسرو أنوشروان، المعروف لدى العرب بكسرى أنوشروان. وقد ارتقى هذا العاهل الكبير العرش عام 531 م وحكم زهاء خمسين عاماً. وبعد وفاته شهدت البلاد فترة من الاضطرابات توالى خلالها على العرش عدد من الملوك الضعفاء انتهوا بالخلع أو القتل، إلى أن ولي العرش يزدجرد الثالث عام 632 م؛ فقد استطاع هذا العاهل القوي ضبط الأمور بيد من حديد وسار بالبلاد نحو عهد من الطمأنينة والاستقرار. إلا أن العرب الذين ظهروا على المسرح الدولي في ذلك الوقت ما لبثوا أن غنموا سورية عام 636 م، ثم توجهوا لقتال يزدجرد في معركة القادسية الحاسمة. وبعد معركتين تاليتين شقَّ العرب طريقهم نحو الهضبة الإيرانية. ومع حلول عام 652 كانت سيطرتهم على إيران تامة تقريباً.

زرادشت
يُعتبَر زرادشت واحداً من أهم الشخصيات الدينية التي أثَّرت على مجرى الحياة الروحية عبر تاريخ الحضارة. ولا تكمن أهمية هذا النبي والمعلِّم الأخلاقي الكبير في مدى الانتشار الجغرافي والزماني للديانة الزرادشتية التي قامت على وحيه وتعاليمه بقدر ما تكمن في مدى تأثير أفكاره على الديانات العالمية اللاحقة.

لا توجد بين أيدينا مصادر تاريخية مباشرة تعيننا على رسم سيرة كاملة لحياة زرادشت، ولكننا نستطيع رسم ملامح عامة لها اعتماداً على المصادر الإغريقية التي تعود إلى القرنين السادس والخامس ق م وعلى المصادر الزرادشتية ذاتها، وأهمها مجموعة الأناشيد التي وضعها زرادشت نفسه، المدعوة بالـغاثا، ومجموعتين من الأدبيات الزرادشتية معروفتين باسم الـأفستا والـأفستا الصغرى، وتحتويان على تعاليم زرادشت وأحاديثه الشفوية التي تُنوقِلت عبر الأجيال وعلى شروح وتعليقات اللاهوتيين الزرادشتيين. وقد تم تدوين هاتين المجموعتين خلال الفترة الساسانية بعد قرون طويلة من التداول الشفهي.

رغم أننا نفهم من الأفستا الصغرى أن زرادشت عاش وبشَّر برسالته قبل عصر الإسكندر بثلاثة قرون، أي فيما بين أواخر القرن السابع وأوائل القرن السادس ق م، إلا أن الباحثين في تاريخ الزرادشتية مختلفون في تاريخ ميلاد المعلِّم. فبينما يرجع به فريق من الباحثين إلى أواسط الألف الثاني ق م استناداً إلى التحليل الفيلولوجي لِلَهجة أناشيد الغاثا التي تشفُّ عن بُنى لغوية مغرقة في القدم فإن فريقاً ثانياً يقبل بالمعلومة الأفيستية ويحدِّد ميلاده في أوائل القرن السادس ق م، ويطابق بين اسم الملك فشتاسبا الذي يتكرر في أناشيد الغاثا واسم والد الملك قورش المدعو هيستابس. وهنالك فريق ثالث يؤرِّخ لمولد زرادشت في مطلع الألف الأول ق م، حوالى عام 900 تقريباً؛ وحجة هذا الفريق قِدَم لهجة أناشيد الغاثا، من جهة، وعدم تعرضها، ولو بالإشارة العابرة، إلى ذكر مملكة الميديين أو الأخمينيين، من جهة ثانية. يضاف إلى ذلك ما تكشف عنه الدراسة المدققة للأناشيد من وجود نظام سياسي كان سائداً خلال حياة الكاتب، يقوم على الإمارات الصغيرة التي لا تخضع لسلطة سياسية مركزية؛ ومثل هذا النظام لم يكن ممكناً بعد عام 900 ق م. هذا التاريخ المتوسط لميلاد نبي الزرادشتية يلقى الآن تأييد معظم الباحثين. أما عن المنطقة التي ولد بها المعلم وعاش سنوات يفاعه إلى أن جاءه وحي النبوة فإن الآراء تتفق على وقوعها في المناطق الشرقية المتطرفة والبعيدة عن المراكز الحضرية التي كانت تعيش على الرعي وتربية الماشية.

عندما ولد زرادشت، على ما تقصُّه الأدبيات الزرادشتية اللاحقة، احتفلت كل مظاهر الطبيعة، وحدثت سلسلة من المعجزات التي رافقت ذلك الحدث المهم في تاريخ الكون وتاريخ الإنسانية. أما الشيطان فقد هرب واختفى من على وجه الأرض؛ ثم ما لبث أن أرسل زبانيته لإهلاك الرضيع. فلما اقتربوا منه تكلم في المهد وتلا صلاةً للربِّ طردت الشياطين. وعندما شب على الطوق جاء الشيطان لكي يجربه ووضع في يده سلطان الأرض كلِّها مقابل تخلِّيه عن مهمته القادمة، ولكن زرادشت نهره وأبعده عنه.[1]

انخرط زرادشت منذ يفاعه في الكهنوت وصار كاهناً على دين قومه (وهو دين هندإيراني شبيه بدين أسفار الـفيدا الهندية). وكان ينتمي إلى فئة خاصة من الكهان تدعى زاوتار، يتميز أفرادها بسعة العلم والخبرة في الشؤون الدينية، ولا يُرسَمون كهنة إلا بعد خضوعهم لتدريب طويل يتمرسون إبانه بشتى المعارف اللاهوتية والفنون الطقسية. غير أن هذا الكاهن ما لبث أن انشق على المعتقدات التقليدية التي نشأ عليها وأحدث انقلاباً دينياً كان له أعمق الأثر على الحياة الروحية لإيران وللإنسانية على حدٍّ سواء. فعندما كان زرادشت في الثلاثين من عمره جاءه وحيُ النبوة من السماء يأمره بالتبشير والدعوة إلى دين الله الحق. فبينما كان الكاهن الشاب يشارك في إحدى المناسبات الطقسية دعت الحاجة إلى بعض الماء، فتطوَّع زرادشت لجلبه ومضى إلى النهر القريب حيث خوَّض حتى ركبتيه وملأ وعاءه. وبينما هو خارج من الماء،[2] تجلَّى له على الضفة كائن نوراني، فخاف لدى رؤيته وهمَّ بالرجوع. ولكن الكائن كلَّمه وطمأنه قائلاً بأنه فوهو ماناه، أحد الكائنات الروحانية الستة التي تحيط بالإله الواحد أهورا مزدا وتعكس مجده. ثم أخذ الملاك بيد زرادشت وعرج به إلى السماء حيث مَثُل في حضرة أهورا مزدا والكائنات الروحانية المدعوة بالأميشا سبنتا؛ وهناك تلقَّى من الله الرسالة التي وجب عليه إبلاغها لقومه ولجميع بني البشر.

بعد تلقيه الرسالة انطلق زرادشت يبشر بها في موطنه وبين قومه مدة عشر سنوات، ولكنه لم يستطع استمالة الكثيرين إلى الدين الجديد. فلقد وقف منه الناس العاديون موقف الشك والريبة بسبب ادعائه النبوة وتلقي وحي السماء، بينما اتخذ منه النبلاء موقفاً معادياً بسبب تهديده لهم بعذاب الآخرة، ووعده للبسطاء بإمكانية حصولهم على الخلود الذي كان وقفاً على النخبة في المعتقد التقليدي. ولما يئس النبي من قومه وعشيرته عزم على الهجرة من موطنه، فتوجَّه إلى مملكة خوارزم القريبة، حيث أحسن ملكها فشتاسبا استقباله، ثم اعتنق هو وزوجته الزرادشتية وعمل على نشرها في بلاده. ولكن ملوك المناطق المجاورة طالبوا فشتاسبا بنبذ الزرادشتية والرجوع إلى دينهم التليد، وانتهزوا الفرصة للإغارة على حدود بلاده، فدخل معهم في حروب طاحنة خرج منها منتصراً. وبذلك تم فتح الطريق أمام الزرادشتية للانتشار التدريجي.

عاش زرادشت عمراً مديداً، ووجد الوقت الكافي لنشر رسالته والعمل على تبسيط تعاليمه الأولى التي أوردها في الأناشيد، وذلك بلغة تقرِّبها إلى أفهام عامة الناس وتستميلهم إليها. تزوج ثلاث مرات وأنجب ثلاثة ذكور وثلاث بنات؛ وكانت ثالث زيجاته من ابنة الوزير الأول لمملكة خوارزم. بعد وفاة الملك فشتاسبا سادت الفوضى في المملكة وفقد زرادشت سنده وحاميه؛ فكان عليه أن يكافح ويصمد بقواه الخاصة؛ وهي مهمة حققها بنجاح بعد نضال شاق وطويل. إلى هذه الفترة العصيبة يرجع قانون العقيدة الزرادشتي الذي يجب على المؤمن فهمه وإعلانه لدى دخوله في الدين الجديد، وفي مقدمته الشهادة التي تقول: "أشهد أني عابد للإله أهورا مزدا، مؤمن بزرادشت، كافر بالشيطان، معتنق للعقيدة الزرادشتية، أمجِّد الأميشا سبنتا الستة، وأعزو لأهورا مزدا كل ما هو خير." لدى نطقه بهذه الشهادة يكون الفرد قد انسلخ عن الدين القديم وصار عضواً في جماعة المؤمنين.

ذاع صيت زرادشت في العالم القديم. فاعتبره الإغريق سيداً للحكمة وللمعارف السرَّانية؛ وعزا إليه الفيثاغوريون تأثيراً مباشراً على معلِّمهم فيثاغوراس؛ ونظر إليه فلاسفة الأكاديميا بإكبار وإجلال باعتباره مؤسِّساً لفلسفة الثنوية؛ ثم رأت فيه المسيحية المبكرة مبشراً بقدوم السيد المسيح بسبب تعاليمه حول المخلِّص المنتظر الذي سيأتي في آخر الأزمان.[3] وعندما ظهرت المدارس الغنوصية في سورية ومصر خلال القرون الأولى للميلاد وجدت في زرادشت واحداً من معلِّميها الكبار. ثم جاء ماني، المعلِّم الثاني لمعتقد الثنوية، فاعتبر زرادشت ثالث الأنبياء العظام الذين سبقوه، إضافة إلى موسى ويسوع. وفي العصور الحديثة أصبح زرادشت موضع اهتمام الأوروبيين منذ عصر النهضة. وكان الفيلسوف الألماني نيتشه من أكثر الفلاسفة المحدثين إعجاباً به، واستعار اسمه لحكيم كتابه هكذا تكلم زرادشت.

المعتقد الزرادشتي
يتميز المعتقد الزرادشتي بابتكاره لمفهوم الوحدانية الثنوية. وصفة الثنوية هنا لا تلغي صفة الوحدانية، لأن مفهوم الثنوية الزرادشتي يقف في تعارض مع مفهوم التعددية، ولكنه لا يتعارض مع الوحدانية، بل يتلازم معها؛ ذلك أنه يقدم أكثر التفسيرات منطقية لوجود الشر في العالم. فأهورا مزدا واحد لا ثاني له في الألوهة، خالق كل ما هو خيِّر وحسن، ولكنه ليس مسؤولاً عن وجود الشر في العالم، ولم يكن ليرتضي وجوده منذ البداية؛ بل لقد سعى إلى مكافحته بكل السبل والوسائل؛ ولسوف ينتصر عليه في معركة تمتد على مدى تاريخ الكون والإنسان. وستشهد نهاية هذا التاريخ غلبة جند الحق على جند البهتان واختفاء الشيطان وأعماله إلى الأبد.

خلق العالم الروحاني
في البدء لم يكن سوى الله – أهورا مزدا: وجود كامل وتام وألوهة قائمة بذاتها مكتفية بنفسها. ولكن هذه الألوهة اختارت أن تخرج من كمونها وتُظهِر سواها إلى الوجود؛ فكان أول خلقها روحان توأمان هما سبنتا مانيو وأنغرا مانيو. ولكي يكون لهذين الروحين وجود حقيقي مستقل عن خالقهما فقد خصَّهما الله بالحرية التي استخدماها منذ صدورهما عنه، فاختار سبنتا مانيو الخير ودعي بالروح القدس، واختار أنغرا مانيو الشر ودعي بالروح الخبيث، ثم راح يتحفز للانقضاض على خلق الله القادم ويقاوم كل عمل حسن له.

هذا الخيار البدئي كان بمثابة النموذج الأسبق لكل خيار أخلاقي لاحق يقوم به الإنسان، دونما جبرية أو قدرية من أي نوع؛ إذ إن الإنسان سوف يُخلَق حراً أيضاً، والحرية سوف تقوده إلى الاختيار؛ والاختيار هو جوهر الأخلاق. وبذلك يقوم المعتقد الزرادشتي على ثلاثة عناصر رئيسية هي: الحرية والاختيار والمسؤولية الأخلاقية. إن صيرورة الوجود بكامله سوف تعتمد على كيفية استخدام الذوات الواعية من أهل السماء والأرض لهذه المعطيات. يقول زرادشت في أحد أناشيد الغاثا:

الحق أقول لكم، إن هناك توأمين يتنافسان منذ البداية. اثنان مختلفان في الفكر وفي العمل. فروح خبيث اختار البهتان وثابر على فعل الشر، وروح طيب اختار الحق وثابر على فعل الخير ومرضاة أهورا مزدا. وعندما تَجابَه الاثنان لأول مرة أبدعا الحياة ونقيضها. ولكن عندما تحين النهاية فإن من اتبع البهتان سوف يُرَدُّ إلى أسوأ مقام، ومن اتبع الحق فسوف يُرَدُّ إلى أسمى مقام.

وبعد الخيار الأخلاقي للتوأمين كان لابدَّ من تعارضهما وتصادمهما ودخولهما في صراع مفتوح. ورغم أن الله كان قادراً منذ البداية على سحق أنغرا مانيو ومحق الشر في مهده، إلا أنه قرر عدم التناقض مع نفسه بالقضاء على مبدأ الحرية الذي أقرَّه وأقام عليه خليقته، وآثر السير بخطته التي تقوم على مقاومة الشر استناداً إلى ذات المبدأ الذي أنتج الشر وهو الحرية. وهنا عمد، بمعونة الروح القدس سبنتا مانيو، إلى إظهار ستة كائنات نورانية قدسية إلى الوجود؛ فشكلت بطانته الخاصة التي تحيط به على الدوام، ويُدعَوْن بالأميشا سبنتا، أي "الخالدون القدُّوسون". وقد أوجدهم الله من روحه كمن يشعل الشموع من مشعل متقد، على حدِّ تعبير أحد مقاطع الأفستا. وتدل أسماؤهم على أنهم ليسوا إلا خصائص مجسِّدة للإله؛ فهم: فوهو ماناه (الفكر المستقيم)، وآشا فاهشتا (الحقيقة الناصعة)، خشاترا فاريا (الملكوت القادم)، وسبنتا أرميتي (الإخلاص)، وهورفتات (الكمال)، وأمريتات (الخلود). وقد شارك هؤلاء الخالق في ما تلا من أعمال الخلق والتكوين، وصاروا حافظين لخلق الله ووسطاء بينه وبين الناس وجميع مظاهر الوجود. ثم إن الأميشا سبنتا خلقوا عدداً من الكائنات القدسية الطيبة تدعى بالأهورا؛ فعهد إليهم أهورا مزدا بمهامهم وأوكلهم مكافحة الشر، كلاً في مجال. وبالمقابل فإن أنغرا مانيو استنهض عدداً من الكائنات المتفوقة تدعى بالدايفا، وعمد إلى تضليلهم، فانحازوا إلى جانبه وراحوا يتهيأون للانقضاض على كل عمل طيب يصدر عن الله. وبذلك تم تكوين عالم الملائكة وعالم الشياطين قبل أن يظهر العالم المادي.

فوق الروحين المتنافسين وفوق فريق الدايفا والأهورا،[4] يسمو أهورا مزدا في عليائه متجاوزاً ثنائيات الخلق؛ ولكنه يعمل، في الوقت نفسه، على دعم قوى الخير لتدخل في منافسة عادلة مع قوى الشر. نقرأ في نشيد آخر من أناشيد زرادشت المدعوة بالغاثا:

هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر يا أهورا مزدا.

من هو أبو الحقيقة منذ أقدم الأزمان؟

من رسم للشمس مسارها وللنجوم؟

من جعل القمر يتناقص ويتزايد – مَن إن لم يكن أنت؟

هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر.

من يمسك الأرض ويرفع السماء من فوقها فلا تقع؟

من فرش الزرع وأجرى الماء؟

من قَرَن جياداً مطهَّمة إلى عربة الريح وعربة السحاب تجرها؟

من خلق الأفكار الخيِّرة – من إن لم أنت؟

هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر، أيها الإله الحكيم:

أيَّةُ صَنعة مبدعة خلقتْ الصحو والنوم؟

من سخَّر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس بمهامهم؟

من سخَّر البقر والأنعام لرخاء الناس؟

من يزرع في القلب احترام الوالدين؟

إني أسألك، أيها الإله الحكيم، لأنشر معرفتك بين الأنام.

فأنت العقل الطيب وخالق كل شيء.

بعد أن تأسَّس الشر على المستوى الروحاني عرف أهورا مزدا أن القضاء على الشيطان وأتباعه لن يتيسر قبل خلق العالم المادي، لأن عالم المادة سيكون بمثابة المسرح المناسب للصراع بين جند الحق وجند البهتان. ولسوف يعمد أنغرا مانيو إلى مهاجمة خلق الله بكل ما أوتي من قوة لأنه خلق طيب وحسن. ولكن هذا الهجوم سوف يفتُّ في عضده تدريجياً، حتى يفقد قوته وسلطانه في آخر الأمر، ويُحسَم الصراع لصالح الخير في نهاية التاريخ. عندها يتم تخليص الكون إلى الأبد من شوائب الشر ليعود كوناً حسناً وطيباً إلى الأبد.

الزمن الكوسموغوني
سار خلق الله للكون على درجتين، الأولى تدعى مينوغ، وهي حالة من الوجود المثالي غير المتحقق في شكل مادي؛ والثانية تدعى جيتنغ، وهي حالة الوجود المادي المتحقق في أشكال ذات قوام وخواص. والحالة الثانية خيرٌ من الحالة الأولى لأنها انتقلت بالكون من حالة الهيولى إلى حالة الثبات والنظام. وهذا ما يميز خلق الله عن خلق الشيطان، وقدرة الله عن قدرة الشيطان الذي لا يستطيع منحَ ما يخلقه القوامَ والمادةَ ويخرج به إلى حيز الوجود الفعلي. ونحن هنا أمام رؤية فلسفية جديدة لا ترى في المادة حالة دنيا من أحوال الوجود، بل أنبل وأسمى أشكال الوجود. أما ما يبدو لنا من قصور وشواش في صيرورة العالم المادي فليس إلا نتيجة لامتزاجه بعناصر الشر التي جاءت من الشيطان؛ وهي عناصر مؤقتة التأثير سوف يتخلص منها العالم، إنْ عاجلاً أم آجلاً. وتنعكس هذه الرؤية للعلاقة بين المادة والروح على نظرة الزرادشتية إلى الإنسان في روحه وجسده. فروح الإنسان ليست أسمى من جسده، والجسد ليس منبعاً للشرور ولا رداءً مؤقتاً نسعى إلى التخلص منه من أجل الالتحاق بالعوالم الروحانية، بل هو الشرط الأمثل الذي يحقق للروح حياة ذات معنى. لذا فإن الأرواح، عندما تنفك عن أجسامها بالموت، فإنها تبقى في حالة انتظار تحن إلى الاتحاد بأجسادها من جديد في يوم البعث الأخير. من هنا تستبعد الزرادشتية كلَّ ممارسات الزهد والتقشف الهادفة إلى تعذيب البدن طمعاً في تخليص الروح من آثامه، لأن على الإنسان أن يكافح الشر بروحه وجسده معاً، وأن يبقيهما في أفضل حالة تمكِّنهما من أداء هذه المهمة على أفضل وجه.

ولقد انتقل العالم من درجة المينوغ إلى درجة الجيتنغ على ست مراحل زمنية: في البداية خلق الله السماء من صخر بلوري، ثم خلق الماء، فالأرض، فالحياة النباتية، فالحياة الحيوانية؛ وأخيراً خلق الإنسان الأول. وفيما يتعلق بالأرض – وهي بؤرة الكون – فقد أقام الله حولها سلسلة جبال شاهقة تتصل بشروش تحتية بجبل يقع في مركز الأرض يدعى جبل هارا؛ ومنه تنطلق أرواح الموتى في رحلتها إلى السماء. ثم قسَّم الأرض إلى سبعة أقاليم، جميعها أراضٍ سهلية لا التواء فيها ولا وهاد ولا تلال. أول هذه الأقاليم يدعى خافي نيراينا؛ وهو وحده المأهول بالسكان، وحوله تتوزع الأقاليم الستة الأخرى. وصنع بحراً يغطي الأرض لجهة جنوبها، وفي وسطه جبل مصنوع من جبلَّة السماء. ومن البحر فجَّر نبعين غزيرين شكَّلا نهرين كبيرين هما دايتا ودانها اللذان يحدان الجهة الشرقية والجهة الغربية للإقليم المسكون. وزرع في البحر شجرة تحتوي على البذور المعروفة بأنواعها، تدعى شجرة كل البذور، وشجرة أخرى تدعى شجرة الشفاء والحياة الأبدية.

بعد انتهاء أهورا مزدا من صنع الكون قام أنغرا مانيو من فوره بالانقضاض عليه، لأن حالة الوجود المتحقق جيتنغ أكثر عرضة للتخريب والبعثرة والإفساد من الحالة غير المتحققة مينوغ. اقتحم أنغرا مانيو الجزء الأسفل من قبة السماء فشوَّهها، ثم انتصب مثل الحية وقفز نحو تجمعات النجوم، فشتَّتها وأحلَّ الاضطراب في نظام السماء. ثم غطس في البحر، فأفسد ماءه بالملح؛ وتوجَّه نحو الينابيع، فجففها؛ وإلى السهول الخضراء، فأذبل مزروعاتها، ونشر فيها الصحارى، وبث فيها الأفاعي والعقارب وكل دابة مؤذية؛ وانقض على النار فلوثها بالدخان، وعلى الإنسان الأول فذبحه. وهكذا زرع الشيطان الموت والفساد في خلق الله. ورغم أن الأميشا سبنتا قد تصدت للهجوم وباشرت إصلاح ما خربه الشيطان، إلا أن العالم لن يعود إلى سابق عهده من النقاء والطيبة لأن الفساد قد عشَّش فيه. لقد أخذ الأميشا سبنتا نبات الأرض اليابس، فطحنوه، ثم نثروه، فحملته الرياح إلى الجهات الأربعة. ثم دفع الأميشا الرياح فحملت الغيوم وأنزلت المطر، فنبتت من ذرور الزرع اليابس حياة جديدة. ثم أخذوا بذور الإنسان الأول القتيل فطهَّروها بضوء الشمس وزرعوها في التربة، فخرجت منها نبتة انطوت أوراقها على الزوجين البشريين الأولين ماشيا وماشيو. وعندما افترقت عنهما الأوراق كانا ملتصقين في وضعية العناق، لا يُتبيَّن منهما الذكر من الأنثى؛ فنفخ فيهما الله روحاً، فانتصبا أمامه بشرين سويين، وقال لهما: "أنتم الإنسان، وأنتم سلف العالم. خُلقتما كاملين، فحافظا على الفكر الحسن والكلمة الحسنة والعمل الحسن، ولا تخضعا للشيطان." ثم جاء الملائكة وعلَّموهما إشعال النار واستخدامها، وألبسوهما ثياباً من جلد، كما علَّموهما استخراج المعادن وصنع السكاكين والأدوات وغير ذلك من الفنون اللازمة لحياة الإنسان.

بعد ذلك التفت الأميشا سبنتا إلى بقية مظاهر الطبيعة التي زُرِعت فيها سموم الشر لترميمها؛ ولكن أنغرا مانيو لم يترك لهم فرصة لإتمام عملهم على أحسنه، فراح يهاجم العالم بكل قواه بمعونة بقية جند الظلام؛ فجلبوا الأمراض والآلام على الكائنات الحية وصنعوا كل نقيصة مادية. ثم تسلَّلوا إلى عقل ماشيا وماشيو، فزرعوا بذور كل نقيصة أخلاقية. فتصدَّى لهم الأميشا وجندهم، واستمر الصراع بين الفريقين بلا هوادة وبلا كلل. هذا الصراع لن تكون له نتائج إيجابية إلا بعون الإنسان الذي يجب عليه أن يعي مسؤولياته الخلقية في هذه الحياة، ويدعم قوى الخير بفكره وقوله وفعله؛ فبدون عون الإنسان لن يتم حسم هذا الصراع الكوني ودفع التاريخ إلى مرحلته الأخيرة عندما تتم تنقية الوجود المادي والروحاني مما داخَلهما من خبث.

مراحل التاريخ وظهور المخلِّص
لقد عرف أهورا مزدا، الذي يطال علمُه البدايات والنهايات، أن آخرة الشر قادمة لا ريب فيها، فوضع خطة للقضاء عليه تتدرج على ثلاث مراحل، يؤشِّر كل منها لطور من أطوار الزمن.

1. فقد خلق أهورا مزدا العالم في أحسن تقويم وأطيب صورة ممكنة، واستمر على هذه الحالة ردحاً من الزمن كان الشيطان خلالها نائماً؛ وهذه هي المرحلة الأولى، مرحلة الخلق الكامل.

2. في المرحلة الثانية يهاجم الشيطان خلق الله ويبث فيه سمومه، فيختلط الخير بالشر؛ وهذه هي مرحلة الامتزاج.

3. في المرحلة الثالثة تبدأ عملية الفصل بين الخير والشر التي تنتهي بدحر الشيطان ورهطه، ليعود الكون كاملاً وطيباً إلى الأبد، ويأتي التاريخ إلى نهايته ليعقبه زمن سرمدي، لا تتناوبه المتناقضات والمتعارضات، وينتفي منه المرض والألم والحزن والموت.

ولقد ابتدأت المرحلة الثالثة بميلاد زرادشت، وتأتي إلى خاتمتها بميلاد المخلِّص المدعو شاوشنياط (أو شاوشيانز) – وهو الذي يقود المعركة الفاصلة بين قوى النور وقوى الظلام. وسوف يولد المخلِّص من عذراء تحمل به عندما تنزل للاستحمام في بحيرة كانا سافا، فتتسرب إلى رحمها بذور زرادشت التي حفظها الملائكة هناك إلى اليوم الموعود. وبذلك تُفتتَح فترة التاريخ الأخير بزرادشت، وتُختتَم بمخلِّص أو مهدي من نسله تحمله أمه حملاً معجِزاً. ورغم المعجزة الإلهية التي قادت إلى ولادة هذا المهدي فإنه يبقى إنساناً مولوداً من أبوين بشريين، لأن خلاص العالم في النهاية هو مسؤولية الإنسان، ويقوده ابن الإنسان الذي سيعلن عن نفسه في الوقت المناسب، فيلقي الرعب في قلوب جند الظلام ويطاردهم في كل مكان ويمحو أثرَهم من الأرض.

تعود فكرة المخلص إلى أناشيد زرادشت القديمة. فلقد بشَّر بقرب انتهاء مرحلة التمازج، وحلول مرحلة الفصل الأخيرة، وقَرَنَ ذلك بقدوم المخلِّص، وألمح في أكثر من موضع في مجموعة الغاثا إلى أنه سيأتي من بعده ليُحِلَّ الحق ويدحر البهتان. وقد دخلت هذه الفكرة في صلب العقيدة الزرادشتية منذ بداياتها. ولكن الفكرة اتخذت أشكالاً جديدة خلال الفترات اللاحقة. ففي العصر الأخميني قال اللاهوتيون بظهور ثلاثة مخلِّصين، وذلك في نهاية كل ألفية من الألفيات الأخيرة من عمر الزمن الأرضي. في نهاية الألفية الأولى يظهر المخلص المدعو أوخشيا تريتا؛ وفي نهاية الألفية الثانية يظهر المدعو أوخشيا تنيما؛ وفي نهاية الألفية الثالثة يظهر المخلص شاوشنياط، من نسل زرادشت من عذراء البحيرة. لكن هذه التصورات اللاهوتية اللاحقة لم تتأصل في صميم المعتقد الشعبي، وبقي الناس مثبتين قلبهم على المخلِّص الأخير منتظرين ظهوره.

التصورات الإسخاتولوجية (الآخروية)
يرتبط معتقد نهاية التاريخ ارتباطاً وثيقاً بمعتقد البعث والحساب والحياة الثانية. فبعد أن دخل الموت في نسيج الحياة خلال فترة التمازج بين الخير والشر صار الموت من نصيب كل كائن حي، وبوابة عبور من حالة الجيتنغ المادية إلى حالة المينوغ الروحانية الهلامية القاصرة. فالأرواح بعد مغادرة الأجسام عقب الموت تبقى في برزخ المينوغ تنتظر يوم القيامة بشوق وترقُّب لكي تلتقي بأجسادها التي تبعث من التراب. يحدثنا زرادشت في أناشيد الغاثا عن مصير الروح بعد الموت وأحوالها إلى زمن البعث والنشور. فبعد مفارقتها الجسم تَمثُل الروح أمام ميترا قاضي العالم الآخر (وهو رئيس فريق الأهورا الذين يشكلون مع الأميشا سبنتا الرهط السماوي المقدس) الذي يحاسبها على ما قدمت في الحياة الدنيا من أجل خير البشرية وخير العالم. ويقف على يمين ميترا ويساره مساعداه سرواشا وراشنو اللذان يقومان بوزن أعمال الميت بميزان الحساب، فيضعان حسناته في إحدى الكفتين وسيئاته في الأخرى. وهنا لا تشفع للمرء قرابينُه وطقوسه وعباداته الشكلانية، بل أفكاره وأقواله وأفعاله الطيبة. فمن رجحت كفة خيره كان مآله الفردوس، ومن رجحت كفة شره كان مثواه هاوية الجحيم. بعد ذلك تتجه الروح لتعبر صراط المصير، وهو عبارة عن جسر يتسع أمام الروح الطيبة، فتسير الهوينى فوقه إلى الجهة الأخرى نحو بوابة الفردوس، ولكنه يضيق أمام الروح الخبيثة، فتتعثر وتسقط لتتلقَّفها نار جهنم. هناك أنغرا مانيو نفسه يسوم المذنبين سوء العذاب. أما من تساوت سيئاته وحسناته فيعبر الصراط إلى مكان وسط بين النعيم والجحيم، حيث يستمر في وجود باهت كظل شبحي بلا إحساس.

هذا وتقدِّم شروح اللاهوتيين الزرادشتيين مزيداً من التفاصيل حول هذه القيامة الفردية. فبعد أن يوارى الميتُ مثواه الأخير تمكث روحه عند رأسه ثلاث ليال تتأمل في حسناتها وسيئاتها. وخلال ذلك يزورها ملائكة الرحمة إن كانت من الصالحين، أو شياطين العذاب إن كانت من الكافرين، فيسومونها سوء العذاب. وفي اليوم الرابع تُساق الروح إلى جلسة الحساب؛ وبعد اجتياز امتحان الميزان الذي يقرر مكانها تتجه إلى الصراط، وهو عبارة عن جسر يشبه السيف: فإذا كان العابر روحاً خبيثة فإن السيف يستدير بطرفه الحاد نحو الأعلى، فتخطو الروح عليه ثلاث خطوات، هي الفكر السيئ والقول السيئ والعمل السيئ، وعندما تحاول الخطوة الرابعة تنزلق إلى مهاوي جهنم؛ أما إذا كان العابر روحاً طيبة فإن السيف يستدير بطرفه العريض لتعبره الروح إلى الطرف الآخر بسلام. وفي رواية أخرى، نجد أن الصالح، بعد خطوته الأولى على الصراط، تهب عليه ريح عطرة آتية من الجنة، وعند منتصف الصراط تظهر له فتاة في ريعان الصبا لم تقع العين في الحياة الدنيا على أجمل منها، فيسألها: "من أنتِ؟" فتقول: "أنا عملك الطيب." ثم تأخذ بيده إلى الجنة. وأما الإنسان الطالح، فبعد خطوته الأولى على الصراط تهب عليه ريح نتنة من أعماق الجحيم، وعند منتصف الصراط تظهر له عجوز شمطاء نتنة لم تقع العين على أقبح منها، فيسألها: "من أنتِ؟" فتقول: "أنا عملك السيئ." ثم تقبل عليه وتعانقه، فيهويان معاً إلى الجحيم.

يتألف الجحيم من عدة دركات، يقع أسفلها في مركز الأرض، حيث يتكاثف الظلام حتى يمكن إمساكه باليد، وحيث يتصاعد نتنٌ لا تطيقه نفس بشرية أو شيطانية. فيستقبل كل درك أهلها حسب فداحة ذنوبهم، وتُقدَّم لهم من صنوف العذاب ما يوازيها. أما السماء فتتصاعد على ثلاث درجات تقابل الفكر الحسن والقول الحسن والعمل الحسن. فالدرجة الأولى عند خط النجوم، والثانية عند خط القمر، والثالثة عند خط الشمس. فتصعد الروح هذه الدرجات تباعاً وصولاً إلى السماء العليا غارو–ديمانا، أو مسكن الغناء، وهناك تقيم في بركة وسلام إلى يوم الحساب الأخير.

بظهور المخلص شاوشنياط تحل الأيام الأخيرة وتقترب الساعة: يوم تلفظ الأرض ما أُتخِمَت به من عظام الموتى خلال مراحل التاريخ الثلاثة، ويُفرَغ الجحيم والفردوس من سكانهما ليعودوا إلى الحشر العظيم. هناك يلتقي من مات منذ آلاف السنين بمن بقي حياً إلى يوم الدينونة، ليأتي الجميع إلى الحساب الأخير. في ذلك اليوم، يسلِّط الملائكة ناراً على الأرض تذيب معادن الجبال وتشكل نهراً من السائل الناري ما من أحد إلا وارده. فأما الأخيار فيعبرونه كمن يخوض في نهر لبن دافئ؛ وأما الأشرار فينجرفون في التيار الذي يفنيهم ويمحو عن الأرض أثرهم بعد عذاب أليم. ويكون جند الظلام قد اندحروا في المعركة الفاصلة مع جند النور واستؤصلت شأفتهم، فيغوص في نهر النار إلى أعماق الجحيم حيث لجأ أنغرا مانيو ومن بقي معه، فيلتهمهم جميعاً ويتم التخلص من آخر بقايا الشر. كما أن الجحيم نفسه يتطهر مثلما تطهرت بقية أجزاء الكون، ويغدو إقليماً من أقاليم الأرض الزاهرة. عند ذلك يعيش الذين عبروا نهر النار سالمين في أرض جديدة وتحت سماء، هي نفس الأرض ونفس السماء وقد تطهَّرتا وصارتا نقيتين إلى الأبد. ثم يقوم أهورا مزدا بسقيا هؤلاء الأخيار شراب الخلود الذي يجعل أرواحهم وأجسادهم في اتحاد أبدي، ويغدون خالدين في جنة وِسعُها السماوات والأرض، كل بقعة فيها ربيع أخضر دائم، وتحتوي على كل شجر وثمر وزهر.

الأخلاق والعبادات
الواجب الخلقي
يقف الإنسان على قدم المساواة مع الأميشا سبنتا وبقية الكائنات القدسية في مسؤوليته عن مكافحة الشر في العالم. وعليه بالدرجة الأولى أن يُعنى بأخيه الإنسان وببقية مخلوقات الأرض لأنهم جميعاً صنعة الله الواحد. كما عليه أن يراعي جسده وروحه معاً. وتتحقق رعاية حقوق الجسد باتباع الفرد لقواعد النظافة والصحة العامة والاعتدال في الأكل والمشرب وتجنب الإفراط في كل شيء. أما رعاية حقوق الروح فتتحقق باتباع النظام الأخلاقي السليم الذي اختطَّه النبي والذي، رغم تشعبه، يتلخَّص في ثلاثة عناصر هي: الفكر الحسن، فلا يتداول الفرد في عقله إلا الأفكار الطيبة ويستبعد الأفكار الخبيثة؛ والقول الحسن، فلا يصدر عنه سوى الكلام الطيب؛ والعمل الحسن الذي يفيد به نفسه وعائلته ومجتمعه، ولا يبادر إلى ما فيه أذية مخلوق قط. فالإنسان هو أنبل خلق الله، وعليه أن يستخدم ما وهبه الله من وعي وذكاء لأجل الارتقاء بالعالم نحو المستوى الماجد والجليل الذي ينتظره في آخر الزمان. كما أن الخلاص الذي يسعى إليه الإنسان ليس فقط خلاصاً فردياً من ربقة المواد إلى دار الخلود، ولا حتى خلاصاً جمعياً للإنسانية طراً، بل هو خلاص للعالم بأسره، لأن الإنسانية تتخذ مكان المركز في خلق الله، وعليها وحدها تقع مسؤولية تحرير هذا الخلق بكامله من سلطة الشيطان.

الطقوس والعبادات
كانت الديانة الأصلية التي أسَّس لها زرادشت ديانة بسيطة لا تعتمد إلا القليل من الطقوس والشكليات الدينية. وفيما عدا الأساطير القليلة الأساسية المتعلقة بنشأة عالم الخير وعالم الشر، وتلك المتعلقة بالمخلِّص ونهاية الزمن، لم يكن للميثولوجيا دور في المعتقد الزرادشتي. وحتى هذه الموضوعات الأسطورية الأساسية لم تُعالَج في أناشيد الغاثا بأسلوب القص الميثولوجي، وإنما بالإشارات الموجزة والصور الشعرية البالغة التأثير، الأمر الذي ترك شخصياتها أقرب إلى المفاهيم المجردة منها إلى الشخصيات المجسدة.

دعا زرادشت المؤمنين إلى خمس صلوات في اليوم، تقام عند الفجر والظهيرة والعصر والمغرب ومنتصف الليل. وتتخذ صلاتا الظهيرة ومنتصف الليل أهمية خاصة لأن منتصف النهار هو الوقت الذي تكون فيه قوى النور في ذروة سيطرتها على العالم الذي يشبه عندها ما كان عليه في كمال البدايات؛ أما منتصف الليل فهو الوقت الذي تكون فيه قوى الظلام في ذروة فعالياتها. يقوم المؤمنون لإيقاد النار دعماً لقوى النور ولترتيل الصلوات، وتسبق الصلاة عملية الوضوء التي تتضمن غسل الوجه واليدين والقدمين. بعد ذلك يقف المصلي منتصباً مسبل الذراعين في حضرة أهورا مزدا، ويتلو في صلاته مقاطع خاصة من أناشيد الغاثا كان زرادشت نفسه يتلوها في صلاته. ولكن بمرور الوقت، وبغياب لهجة الغاثا القديمة عن الاستخدام اليومي، عمد الكهنة إلى إضافة نشيد طقسي منظوم بلهجة أكثر حداثة يُدعى الـياسنا، ويتألف من فصول قصيرة تحاكي في بنيتها أسلوب الغاثا. وبينما تكون عينا المصلي مثبتتين على النار المقدسة أمامه يقوم بحلِّ شاله ويمسك به بكلتا يديه؛ وفي نهاية الصلاة يقوم المصلي بإعادة الشال إلى وسطه فيلفه ثلاث مرات، ثم يعقده من الأمام ومن الخلف إشارة إلى عناصر الأخلاق الزرادشتية الثلاثة. وهذا الشال هو الشارة التي يميز بها الزرادشتيون أنفسهم؛ كما أن حله وإعادة ربطه هو فعل طقسي يرمز إلى تمسك المؤمن بتعاليم النبي وتذكرها على الدوام.

تتجلَّى بساطة الديانة الأصلية التي بشَّر بها زرادشت في غياب الهياكل والمعابد والمذابح. فلقد منع زرادشت تشييد أماكن خاصة للعبادة لأن الله موجود في كل مكان ويمكن التوجُّه إليه بالصلاة في أي مكان طاهر. كما منع النبي صنع الصور والمنحوتات لأهورا مزدا ولبقية الكائنات القدسية السماوية. لذا فقد خلت المراكز الحضرية للمملكة الأخمينية من المعابد الضخمة التي عرفتها بقية ممالك المنطقة المشرقية؛ كما سار الملوك الأخمينيون الأوائل على خطى المعلِّم في تحريمهم للتماثيل والصور، فكانت الصلوات تقام في البيوت أو في أماكن مخصصة للعبادة في الهواء الطلق ومزودة بموقد للنار المقدسة. وقد ذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوتس (485-425 ق م) أن الفرس كانوا يحتقرون المعابد ويرون فيها خطيئة لأن الله الذي لا تسعه السماوات والأرض لا يسكن في بيت مصنوع بيد الإنسان.[5] ويصف الجغرافي والمؤرخ الأغريقي سترابو (64 ق م - 23 م) بقايا معبد أقامه الملك قورش، فيقول إنه كان عبارة عن تلة في الهواء الطلق محاطة بجدار يصعدها المؤمنون للصلاة. ولكن أردشير الثاني (401-359 ق م) الذي جاء بعد قورش بأكثر من قرن ونصف خرج على هذه التقاليد، فكان أول من بنى المعابد الضخمة على الطريقة البابلية وصنع صوراً للكائنات السماوية. وهذا ما تبيِّنه لنا آثار العاصمة الفارسية القديمة.

استطاع أردشير الثاني استمالة فريق من الكهنة إلى معابده فراحوا يقودون فيها الصلوات. إلا أن فريقاً آخر عارض ذلك ورأى فيه انتهاكاً للمعتقدات التقليدية. وقد بدأ الكهنة المعارضون، بدعم من الجماهير المؤمنة، يردون على هذا الإجراء بإقامة معابد لهم تتصدرها شعلة النار المقدسة بدلاً من تماثيل الآلهة؛ وبذلك ظهرت لأول مرة معابد النار في إيران. وشيئاً فشيئاً أخذت نار المعبد تكتسب قدسية خاصة بها بعد أن كانت مجرد رمز للألوهة الخافية، وأخذ أهل الديانات الأخرى يصفون الزرادشتيين بأنهم عبدة النار. ومثل هذا الوصف لم يَرِدْ في كتابات المؤرخين الذين تحدثوا عن إجلال الإيرانيين للنار دون أن يصلوا حد القول بعبادتها. لقد قاد نشوء معابد النار إلى إحداث تغييرات عميقة في الديانة الزرادشتية. فبعد البساطة التي ميَّزت الممارسات الدينية في السابق انتشرت المعابد الدينية الضخمة الباذخة، ونشأت طبقة جديدة من الكهنة المتفرغين لطقوس النار التي زادت تعقيداً بمرور الزمن وبعداً عن بساطة الطقوس الأصلية. وقد عُرِفَت هذه الطبقة من كهنة النار تاريخياً باسم ماجي Magoi، وباليونانية Μάγοι (مفردها Μάγος)، وبالعربية "مجوس".


طقوس الموت
شغلت طقوس الموت حيزاً هاماً من الطقوس الزرادشتية بعد عصر النبي. وهي تقوم على نظرة زرادشت إلى الموت على أنه من نواتج فعاليات الشيطان في العالم. فأجسام الأحياء تنتمي إلى عالم أهورا مزدا، أما جثث الموتى فإلى عالم أنغرا مانيو؛ فهي خبيثة ونجسة، لا فرق بين جثة إنسان وجيفة حيوان، ولا بين جثة إنسان صالح وجثة إنسان شرير. إن لمس أية جثة هو مصدر للنجاسة، وعلى من احتك بها أن يتطهر بالماء. كما أن أي جزء مقتطع من جسم الحي، مثل قصاصات الشعر والأظافر، هو جزء ميت ويجب عدم الاحتكاك به. وبالمثل أيضاً، فإن نَفَس الزفير الذي يطلقه الكائن الحي من رئتيه هواء ملوث بالموت، على عكس نَفَس الشهيق الذي يحمل الحياة. لهذا كان كهنة النار يضعون كمامات قماشية على أفواههم عندما يقتربون من الشعلة المقدسة. وجميع الحيوانات التي تتغذى على الجثث مثل النمل والذباب والكلاب والضباع وما إليها هي حيوانات نجسة يجب قتلها أينما وجدت لأنها وكلاء للشيطان. وقد قاد تابو الموت هذا إلى إفراز جماعة من الاختصاصيين بشؤون التخلص من الجثث، وهم الذين يقومون بطقوس الجنازات ويعرفون كيف يتطهرون عقبها. أما عن الدفن فإن صرامة تابو الموت كانت تحظر وضع الموتى على تراب الأرض مباشرة كي لا تلوثه؛ فكانت الجثة تُسجَّى على مصطبة حجرية في سفح جبل أو في منطقة نائية مهجورة، حيث تُترَك مكشوفة في العراء حتى تتحلَّل بتأثير العوامل الطبيعية أو انقضاض الجوارح عليها. وبعد فترة كافية لتحلُّل الجسم تُدفَن العظام تحت التراب في انتظار يوم النشور.

قواعد الطهارة

لم تضاهِ الزرادشتيةَ قبلها ملَّةٌ في الحفاظ على طهارة الجسم والملبس والمأكل. ويأتي حرصُ الزرادشتي المبالغ فيه على النظافة من اعتقاده بأن الفساد والتحلُّل والعفونة وكل أنواع القذارة هي من عمل أنغرا مانيو. من هنا فإن النظافة والبعد عن الاحتكاك بكل ما هو قذر وملوث شأن يعادل الصلاة والعمل الطيب لأن في التزام قواعد الطهارة محاربة لقوى الشيطان ووقوفاً إلى جانب الرحمن. وبذلك يستطيع الإنسان المساهمة في محاربة الشر الكوني من خلال أدائه لأصغر واجباته اليومية.

لا يمكن سرد جميع قواعد النظافة التي راكمتْها الشريعة الزرادشتية عبر العصور، وإنما يفي بالغرض التعرُّضُ لأهمِّها، وهي المتعلقة بالطعام والماء والنار والدم. فالطعام ينبغي أن يُحضَّر وفق قواعد صارمة تمنع احتكاكه بأي مصدر للقذارة، كما ينبغي أن يُؤكَل في خشوع مثلما تُؤدَّى الطقوس الدينية، لأن كل مكوِّناته هي بشكل أو بآخر من مخلوقات الله الأخرى. وأما الماء فيجب التأكد من كونه نظيفاً وطاهراً وأنه قد نُضِحَ من مصدر غير ملوث قبل استهلاكه في الشرب والطبخ والاغتسال. وفيما يتعلق بالنار المنزلية أو النار الطقسية فإن وقودها يجب أن يقتصر على القش والعيدان والحطب وألا يُحرَق فيها الروث والقمامة وما إليها. وبدلاً من حرق فضلات المنازل فإنها تُنقَل إلى أماكن بعيدة خاصة، حيث تجري معاملتُها بالسوائل الحامضية. ويشكل الدم مصدراً للنجاسة في حال سيلانه من الجسم لأن هذا السيلان شكل من أشكال اختلال الحالة الفسيولوجية السليمة للكائن الحي وعرضٌ من أعراض اقتحام قوى المرض والموت. وعلى المتلوث تطهير نفسه بوسائل شتى تختلف باختلاف كمية الدم ومكان الجرح وملابسات الإصابة. كما أن على النساء في فترة الطمث عدم ممارسة الطبخ والأعمال المنزلية ومراعاة عدد من قواعد الغُسل والطهارة.

وبما أنه يصعب على المرء تجنب الاحتكاك بمصادر النجاسة تجنباً مطلقاً فقد وضع فقهاء الشريعة أصولاً معينة للتطهُّر بما يتناسب مع درجة التلوث. وغالباً ما يوصى المتنجس بالاغتسال بالماء من رأسه إلى أخمص قدميه. غير أن بعض درجات التلوث تستدعي الاستعانة بالكاهن الذي يقوم بتلاوة الآيات المقدسة ويسير بالمتنجس أعبر مراحل تطهيرية متعددة قد تستمر بضعة أيام. وتَشغَل هذه الإجراءات التطهيرية وكيفية تطبيقها حيزاً من برامج إعداد وتدريب الكهنة الذين يجب عليهم أنفسهم مراعاة أدق وأصعب قواعد النظافة والطهارة.

التطور التاريخي
بعد وفاة زرادشت بقيت تعاليمه الأصلية التي بثها في أناشيد الغاثا بمثابة الإنجيل الذي يحفظ جوهر الدين ويجمع المؤمنين حول العقيدة والأخلاقيات والشعائر الزرادشتية. ونستدل من لهجة الغاثا المغرقة في القدم أنها حُفِظَت في شكلها الأصلي، دون أن يمسسْها تعديل جوهري، عبر التداول الشفهي الطويل السابق لعصر التدوين. ولكن الشكل الأدبي الرفيع الذي صيغت فيه الأناشيد وأسلوبها المختصر البليغ دعا الكهنة إلى التوسط من أجل شرحها وبسط وتطوير أفكارها للناس العاديين. وقد تراكمت هذه الشروح تدريجياً حتى شكَّلت مصدراً آخر من مصادر الدين الزرادشتي؛ وبذلك ولدت مجموعة الأفستا والأفستا الصغرى اللتان اتخذتا شكلهما شبه التام نحو نهايات الفترة الأخمينية. ثم تطلبت الأفستا بدورها الشرح والتفسير، فنشأ على هامشها كتاب الـزند، أو الـزندأفستا (أي الشروح والتعليقات على الأفستا).

لم تدوَّن هذه الأدبيات الدينية خلال الفترة الأخمينية بسبب عزوف الكهنة عن استخدام الكتابة لحفظ النصوص المقدسة لأنهم رأوا في الكتابة شأناً دنيوياً واعتبروها تدنيساً للنص. ولكن الأفستا صارت مهددة بالضياع عقب غزو الإسكندر المقدوني وما تلاه من فترة النفوذ السلوقية، فأمر الملك البارثي فلاكش (حوالى عام 60 ق م) بجمع أسفارها من شتى المناطق ومقارنتها من أجل تثبيتها كتابة في صيغتها النهائية المعتمدة. غير أن هذه المهمة لم تنجَز كاملة إلا في عصر الملك الساساني كسرى أنو شروان، عندما تم تدوين الأفستا في واحد وعشرين جزءاً يتصدَّرها الجزء الخاص بأناشيد الغاثا.

ولقد لعب كهنة الماجي، أو المجوس، دوراً مهماً في تحرير وتطوير الأفستا. وهؤلاء المجوس ينتمون إلى قبيلة ماجي، وهي قبيلة متخصصة في الشؤون الدينية، أغلب الظن أنها من أصول ميدية. ويرجح بعض الباحثين أن المجوس كانوا على الديانة الإيرانية التقليدية، ثم تحولوا إلى الزرادشتية حتى لا يخسروا مكانتهم الاجتماعية، وبثوا فيها الكثير من معتقداتهم وأفكارهم وطقوسهم القديمة. لهذا السبب عُرِفوا في العالم القديم، في استقلال عن الدين الزرادشتي، باعتبارهم حكماء متضلِّعين بالسحر والتنجيم والمعارف السرَّانية. لقد أدخل المجوس العديد من آلهة الديانة الهندإيرانية القديمة إلى المعتقد الزرادشتي، كما تبنُّوا بعضاً من آلهة البانثيون الرافدي، وعلى رأسها عشتار التي اتخذت في إيران اسم أناهيتا، أي "البتول". وأخذت عبادة أناهيتا بالانتشار منذ عهد الملك الأخميني أردشير الثاني الذي كان أول من بنى المعابد وصنع صوراً للكائنات القدسية. كما وسَّع المجوس مفهوم زرادشت عن قوى النور وقوى الظلام، وبنوا حوله لاهوتاً متكاملاً عن مجمع الملائكة ومجمع الشياطين؛ فصارت الملائكة التي تعمل تحت إمرة الأميشا سبنتا تعد بالآلاف، وكذلك الشياطين التي تعمل تحت إمرة أنغرا مانيو. وتحوَّل الأميشا سبنتا من قوى مجرَّدة غير مشخَّصة إلى كائنات إلهية، لكلٍّ منها وظيفة محددة في نظام الكون والطبيعة، وصارت فروض العبادة والتقديس تُقدَّم إليها بما هي كذلك. ومن أهم التحريفات التي أدخلها المجوس على العقيدة الزرادشتية أنهم جعلوا أنغرا مانيو على قدم المساواة مع أهورا مزدا، ونظروا إليهما كخصمين متصارعين منذ البداية. وبذلك تحول أهورا مزدا من إله يسمو فوق الروحين المتنافسين اللذين صدرا عنه إلى طرف مباشر في الثنوية الكونية.

وفي العقيدة الزورفانية، التي طورها فريق من المجوس، صار أهورا مزدا وأنغرا مانيو (الذي اتخذ اسم أهريمان) ابنين توأمين للإله زورفان، وهو الزمان. وقد عهد زورفان إلى أهورا مزدا بمهمة خلق العالم ليغدو مسرحاً للصراع المكشوف بين قوى الخير وقوى الشر، وحدَّد لصراعهما فترة محددة تنتهي بغلبة أهورا مزدا على خصمه أهريمان. وبقي زورفان بمثابة العلَّة الأولى والإطار الذي تجري ضمنه أحداث الكون. وقد انتقلت هذه العقيدة من هرطقة تعيش على هامش زرادشتية الأفستا إلى دين رسمي للدولة في عهد الساسانيين، حوَّل الزرادشتية من ديانة عالمية تتوجه لجميع بني البشر إلى ديانة قومية خاصة بإيران. وهذا ما أضعف موقف الزرادشتية تجاه الديانات العالمية اللاحقة، وخصوصاً المانوية ثم المسيحية فالإسلام.

خلاصة: ميراث الزرادشتية

رغم امتلاك الزرادشتية لكل مقومات الديانة الشمولية العالمية إلا أنها لم تمارس نشاطاً تبشيرياً خارج إيران بعد موت معلِّمها. ومع ذلك فقد انتشرت الأفكار الزرادشتية شرقاً وغرباً، ودخلت في نسيج الديانات اللاحقة لها، حتى وصلت تأثيراتها إلى بوذية المهايانا في الصين. أما تأثيراتها المشرقية فتُعزى بالدرجة الأولى إلى عودة المهجَّرين الذين سباهم ملوك آشور وكلدان. فلقد طالت سياسة التهجير كل المناطق الواسعة الواقعة تحت سيطرة آشور، من إيران والخليج العربي، صعوداً إلى جبال طوروس، هبوطاً نحو الساحل الفينيقي، ووصولاً إلى حدود مصر. وقد وصلنا حتى الآن 150 نصاً آشورياً جاءت فيها عمليات ترحيل واسعة النطاق والشعوب التي طالتها هذه العمليات والمناطق التي تم تهجيرها إليها؛ ومنها نعرف أن الجزء الأكبر من عمليات الترحيل كان باتجاه مناطق آشور الرئيسية في مدن العاصمة آشور وكالح ونينوى ودور شاروكين. وعندما دمر الكلدانيون آشور تابعوا سياسة السبي والتهجير، ولكنْ على نطاق أقل بكثير. ثم ورث الأخمينيون الإمبراطورية الكلدانية، وأعلن الملك قورش من بابل بيانه المشهور الذي يتضمن السماح للشعوب المسبية بالعودة إلى مواطنها. ولكن هذه العودة لم تتم بين ليلة وضحاها، بل استغرقت أكثر من قرن من الزمان، وهي فترة كافية لاحتكاك المسبيين بالفرس عن قرب والتأثر بأفكارهم الدينية.

قدمت الزرادشتية عدداً من الأفكار الجديدة على تاريخ الدين، بعضها ما زال فاعلاً ومؤثراً في الحياة الروحية لمليارات البشر في شتى أنحاء المعمورة، وأهمها:

1. التاريخ الدينامي: حيث يسعى الزمن بين بداية محددة، هي زمن الخلق والتكوين، ونهاية محددة، يعقبها تحويل كامل للوجود بأسره إلى مستوى ماجد وجليل يليق بخلق الله. ففي مقابل مفهوم التاريخ المفتوح للديانات الشرقأوسطية، والتاريخ الدائري المغلق للديانات الهندية والشرقأقصوية، قدم زرادشت مفهوماً عن تاريخ ذي معنى، يسعى أبداً نحو غاية مثلى يحققها الكون والطبيعة والمجتمع الإنساني من خلال عملية تطوير وتطهير دائبة ومتصاعدة.

2. الطبيعة الأخلاقية للوجود: فالإله الأعلى إله أخلاقي، والعلاقة بين الله والإنسان علاقة أخلاقية بالدرجة الأولى. أما الطقوس والعبادات فليست وسيلة لإظهار الخضوع للخالق، بل هي تنقية للنفس من شوائب الشر وتقويتها على مقاومته. ثم إن الأخلاق تتجاوز علاقة الله بالإنسان وعلاقة الإنسان بأخيه، لتغدو مبدأ مزروعاً في صميم الخليقة بأكملها. فالكون ذو معنى أخلاقي، وصيرورة الوجود قد اكتسبت طابعاً أخلاقياً منذ البداية.

3. تعاون الله والإنسانية: الإنسان شريك الله في المشروع الكوني الرامي إلى مكافحة الشيطان واستعادة كمال البدايات. إن أقصى ما يصبو إليه الإنسان في ديانات الشرق القديم هو اكتناه مشيئة الآلهة والتطابق معها خلال حياة لا معنى لها ولا غاية وزمن مفتوح على اللانهاية. كما أن أقصى ما يصبو إليه الإنسان في ديانات الشرق الأقصى هو فهم العالم وليس إصلاحه. فالعالم غير قابل للإصلاح، وهو يسير وفق قوانين أزلية ثابتة في دورة تكرارية أزلية–أبدية. أما الزرادشتية فترى أن العالم قابل للإصلاح والتغيير بشكل جذري؛ ومسؤولية هذا الإصلاح تقع على عاتق الإنسان بالدرجة الأولى.

4. وحدانية الإله: رغم وجود اتجاهات توحيدية واضحة في الديانات السابقة على الزرادشتية، سواء في مصر أم سورية وبلاد الرافدين، إلا أن زرادشت كان أول من قدم مفهوماً صافياً عن التوحيد وصاغه في عقيدة متماسكة ومتكاملة.

5. أصل الشر وفكرة الشيطان: رغم وجود الكائنات الماورائية الشريرة في جميع المعتقدات الدينية عبر التاريخ، إلا أن زرادشت كان أول من تصور وجود مبدأ كوني للشر، هو علة الفساد والنموذج البدئي لكل الشرور المتبدِّية في العالم، وجسَّد هذا المبدأ في شخصية ماورائية كبرى. وبذلك قدمت الزرادشتية أول تفسير مقبول لوجود الشر في العالم. ورغم قوة الشيطان ومنازعته للرحمن السلطةَ على العالم، إلا أنه ليس إلهاً أزلياً ولا خالداً، ولسوف يؤول إلى الخسران أخيراً. وبذلك يكون المعتقد الزرادشتي ثنوياً في نظرته إلى العالم في حالته الراهنة التي تمتزج فيها عناصر الخير بعناصر الشر، وتوحيدياً صافياً في نظرته إلى جوهر الكون وحقيقته ومآله.

6. حرية الإنسان: عندما خلق الله الكائنات السماوية والكائنات البشرية وَهَبَها الخاصية الأساسية التي تميز الوعي عن المادة الجامدة، وهي الحرية، لأن الوعي بدون الحرية ليس إلا شكلاً آخر من أشكال وجود الجمادات. فالإنسان مخيَّر في حياته ولا يخضع لأية جبرية. وحريته هذه تستدعي مسؤوليته، كما تستدعي في النهاية محاسبته، لأن كل مسؤول محاسَبٌ؛ ولا حساب حيث لا مسؤولية.

7. مفهوم الإنسانية: لأول مرة في تاريخ الفكر الإنساني يظهر في الزرادشتية مفهوم واضح عن "الإنسانية". فالإنسانية ليست تجمعاً لأفراد يُعنى كلٌّ منهم بمصيره ويسعى لخلاص خاص به، بل هي مجتمع موحَّد بجميع فئاته وقومياته وأقاليمه، يلعب دوراً واحداً في حركة التاريخ ومآله.

8. المسيائية: يتوَّج كفاح الإنسانية ضد الشر بظهور المخلِّص. وهذا المخلِّص، رغم تفوقه وكماله، إلا أنه إنسان حقيقي، ومن أبوين بشريين، رغم ميلاده الإعجازي من بذور زرادشت المحفوظة في البحيرة. إنه، بشكل ما، نموذج الإنسان الأسمى الذي أنتجته الإنسانية عبر مخاضها الطويل لكي يتوِّج مهمتها. هذه التصورات الدينية المتعلقة بالمخلِّص المنتظر دُعِيَت لاحقاً بـ"المسيائية"، نسبة إلى كلمة مسيَّا، وهي كلمة آرامية–عبرانية تعني المسيح المنتظر في آخر الدهر.[6]

9. مصير الروح: تشبه التصورات الزرادشتية حول مصير الروح التصورات الأوزيرية في الديانة المصرية إلى حد بعيد. فأرواح الموتى تغادر أجسامها بعد الموت لتتجه إلى مكان الحساب حيث توزَن حسناتُها وسيئاتُها: فإما إلى نعيم وإما إلى جحيم. ولكن الأوزيرية لم تربط مسألة الثواب والعقاب بتصور واضح عن حركة التاريخ لأنها رأت في الزمن سيالة مفتوحة على اللانهاية، شأنها في ذلك شأن بقية المعتقدات الشرقأوسطية. أما الزرادشتية فقد وضعت فكرة الثواب والعقاب في سياقٍ مفهومٍ ومتَّسقٍ عن تاريخ دينامي ذي معنى وغاية، وربطتْها بمفهوم الحرية والمسؤولية؛ كما ربطت مسألة الخلود بالتصورات الآخروية عن نهاية الزمن وتجديد العالم.

10. نهاية الزمن وتجديد العالم: ليست فكرة فناء العالم وتجديده بالفكرة الغريبة تماماً في تاريخ الدين. ففي العديد من ميثولوجيات العالم القديم نجد أن العالم يفنى إما بطوفان شامل أو بنار سماوية، ثم يعود سيرته الأولى. وفي الهندوسية يتم تدمير العالم وإعادة خلقه عقب كل دورة كونية كبرى. ولكن جديد الزرادشتية هو تقديمها، لأول مرة، مفهوماً عن نهاية العالم مرتبطاً بنهاية الزمن ونهاية التاريخ. فالعالم لا يفنى لكي يعود سيرته الأولى ضمن نفس الزمن الخطي أو الزمن الدوري التناوبي، لأن نهاية العالم تعني في الزرادشتية تغييره جذرياً والخروج به من الزمن ومن التاريخ إلى السرمدية. يضاف إلى ذلك أن تجديد العالم يترافق مع البعث العام للأجساد وعودة الأرواح للقاء أجسادها والاتحاد بها اتحاداً أبدياً لا ينفصم – وهي فكرة جديدة كلياً على تاريخ الدين.

هذا هو ميراث الزرادشتية الذي يجعل منها نقطة علام بارزة في تاريخ الدين الإنساني؛ حتى إنه يمكن معها تقسيم هذا التاريخ إلى ما قبل الزرادشتية وما بعدها.

*** *** ***

مراجع المادة المعلوماتية المستفاد منها لهذا البحث
- Boyce, Mary, Zoroastrians, Routledge, London, 1985.

- Campbell, Joseph, Occidental Mythology, Penguin, London, 1977, p. 189 ff.

- Gonoli, Gerardo, “Zoroastrianism,” in: Encyclopedia of Religion, McMillan, London, 1987, vol. 15.

- New Encyclopedia Britannica (The), 15th Edition.

- Noss, J. B., Man’s Religions, McMillan, London, 1974, p. 336 ff.

- Zaehner, R. C., The Down and Twilight of Zaroastrianism, Panta & Sons, London, 1961.






[1] هذه المواجهة بين المخلِّص والشيطان نجدها أيضاً في الأدبيات الدينية البوذية والمسيحية. فعندما كان البوذا جالساً جلسة التأمل الأخيرة التي قادته إلى المعرفة المطلقة أرسل رئيس العفاريت الشريرة مارا زبانيته الذين أحاطوا بالشجرة التي يجلس تحتها المعلم، فحاولوا إخافته وبث الرعب في قلبه بكل الوسائل، لكنه بقي هادئاً مستغرقاً في تأمله الباطني. ثم هبط مارا بنفسه ورماه بكل أسلحته، ولكنها تحولت إلى براعم زهور معلقة حول رأسه في الهواء. وما إن حلَّ الصباح حتى استنارت جنبات البوذا بالعرفان واخترق بعقله وروحه جوهر الحقيقة. وفي إنجيل متى نقرأ أن إبليس أخذ يسوع إلى البرية، بعد أن هبط عليه الروح القدس، ليجرِّبه. وبعد أربعين يوماً: "ثم مضى به إبليس إلى جبل عالٍ جداً وأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها، وقال له: أعطيك هذا كلَّه إن جثوت لي ساجداً. فقال يسوع: اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد." (متى 4: 7-10)

[2] قارن مع هبوط الروح القدس على يسوع وهو خارج من النهر بعد تعميده بماء الأردن في إنجيل متى 3، ومرقس 1.

[3] لم تكن النجمة التي ظهرت في الشرق وقادت المجوس الثلاثة إلى مهد يسوع في بيت لحم إلا إشارة إلى تحقيق نبوءة زرادشت (راجع إنجيل متى، الإصحاح الثاني).

[4] حول تسمية الأهورا والدايفا تجدر الإشارة إلى أن زرادشت قد استعار هاتين التسميتين من الديانة الهندإيرانية القديمة؛ فالأهورا (= أسورا) هم الآلهة الطيبة والدايفا (= ديفا) هم الآلهة الشريرة.

[5] قارن في خطبة اسطفانوس في أعمال الرسل بقوله: "على أن العليَّ لا يسكن في بيوت صنعتها الأيدي، كما قال النبي: يقول الرب: السماء عرشي والأرض موطئ قدميَّ. أيَّ بيت تبنون لي؟ أم أياً يكون مكان راحتي؟ أليست يدي قد صنعت هذا كلَّه؟" (7: 48-50)

[6] الـ"مسيَّا" بالمعنى الأصلي هو الممسوح بالزيت. وكان طقس المسح بالزيت في التوراة وقفاً على مختاري الرب الذين اصطفاهم لحكم إسرائيل؛ ثم سرى هذا الطقس فيما بعد على الكاهن الأكبر.
سجل

َ لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او دخول
الفهــــــــــــــرس الشخصــــــــــــي

هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ويهود حارت والمجوس مضللهْ  اثنان أهل الأرض : ذو عقـل بلا ديــن وآخر ديِّن لا عقل لهْ
صفحات: [1] للأعلى طباعة 
شبكة الملحدين العرب  |  نقد الايمان والاديان  |  الدين المسيحي والأديان الأخرى (مشرف: أكروپوليس)  |  موضوع: زرادشت (بحث قيم ) عن سيرته وشريعته وعقائده « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  


تم إنشاء الصفحة في 0.213 ثانية مستخدما 30 استفسار. المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها Arab Atheists Network admin(at)el7ad(dot)info
free counters Google Page Rank : Google Page Rank